مالي تقصف منقبي الذهب.. حرب الموارد عند حدود الجزائر
قتل نحو 15 منقبا تقليديا عن الذهب، الخميس 22 أكتوبر 2026، في ضربة بطائرة مسيرة للجيش المالي استهدفت موقعا للتنقيب شمال مالي قرب الحدود الجزائرية، بحسب مصادر “عين الساحل”، في أحدث هجوم يطال العاملين في مواقع الذهب بالمنطقة.
وقال مصدر خاص لـ“عين الساحل” إنه تم التعرف على سبعة من الضحايا، في قائمة أولية تضم:
• أحمد أغ أبيبا أغ الوافي • إبراهيم أغ سبدقا • موسى أغ الحسن نازاء • حسن أغ أمة • محمد أغ حمة أغ • حمادي أغ عيسى • أحمد أغ ودوسن
يواجه منقبو الذهب القادمون من النيجر وتشاد والسودان غارات متكررة في شمال مالي قرب الحدود الجزائرية، بينما تربط باماكو استهداف مواقع التعدين بتجفيف موارد خصومها المسلحين. وتأتي الهجمات وسط مساعي الجيش المالي وحليفه الروسي لاستعادة السيطرة على الشمال، وتقارير حقوقية تتهمهما بقتل مدنيين في ضربات عشوائية.
وفي واقعة سابقة، نقلت صحيفة “لوموند”، في 6 أكتوبر 2026، عن مصدر محلي مقتل سبعة منقبين تشاديين وسودانيين في تنزاواتين، خلال حملة جوية سبقت دخول الجيش المالي وحليفه “فيلق أفريقيا” إلى كيدال. واتهمت جبهة تحرير أزواد القوات المهاجمة باستخدام مسيرات “أقينجي” التركية، إلى جانب مسيرات “شاهد” وطائرات مقاتلة، في قصف مناطق بالشمال.
وسبق ذلك سقوط ستة قتلى ونحو عشرين جريحا في ضربات على إخربان قرب تنزاواتين، ليلة 29 إلى 30 يوليو 2026، وفق حصيلة منظمة حقوقية محلية نقلتها إذاعة فرنسا الدولية. وقالت المنظمة إن الضحايا منقبون تشاديون ونيجريون.
ويمتد استهداف المنقبين إلى ما بعد معركة تنزاواتين في يوليو 2024، حين أفادت إذاعة فرنسا الدولية بمقتل ستة مدنيين على الأقل في قصف يوم 30 من الشهر نفسه، بينهم منقبون من النيجر والسودان وتشاد. ونقلت آنذاك عن مصدر عسكري مالي قوله إن المستهدفين مسلحون إرهابيون، نافيا استهداف المدنيين.
والصلة بين القصف والذهب معلنة في بيانات الجيش نفسه. ففي بيان نشر مطلع أغسطس 2026، أعلن استهداف موقع للتنقيب قرب تساليت يوم 4 أغسطس، وقال إنه يستخدم من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وجبهة تحرير أزواد، وإن العملية تهدف إلى حرمانهما من الموارد المالية. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من هذه الاتهامات.
وتحمل تنزاواتين ثقلا عسكريا يتجاوز مواقع التعدين. ففي أواخر يوليو 2024، تعرض الجيش المالي ومقاتلو “فاغنر” لهزيمة كبيرة قرب البلدة الحدودية، أعلن إثرها تحالف الحركات الأزوادية مقتل 84 روسيا و47 جنديا ماليا، وهي حصيلة لم يتسن التحقق منها كاملة بصورة مستقلة. وكانت القوات الروسية المشاركة آنذاك تابعة لـ“فاغنر”، التي أعلنت انسحابها في يونيو 2025، وانتقلت معظم مهماتها إلى “فيلق أفريقيا” الخاضع لوزارة الدفاع الروسية.
وتتيح المسيرات ضرب مناطق يصعب الاحتفاظ بها بريا، من دون تعريض أرتال الجيش وحلفائه لمخاطر مماثلة. وتستخدم مالي طائرات “بيرقدار تي بي 2” التركية منذ 2022، و“أقينجي” منذ 2024، بحسب هيومن رايتس ووتش.
وتشير دراسة نشرتها المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود في مايو 2026 إلى أن جماعات مسلحة في الشمال، بينها التشكيلات التي سبقت جبهة تحرير أزواد، فرضت رسوما على التعدين الأهلي وتجارة الذهب. وتصف مواقع التنقيب بأنها مراكز تتداخل فيها موارد التمويل والتجارة والإمداد، إلى جانب اعتماد مجتمعات محلية عليها في معيشتها.
وترى “عين الساحل” أن تكرار ضرب هذه المواقع يعكس سعيا إلى إخضاع مناطق الذهب لسلطة باماكو وحرمان جبهة تحرير أزواد من موارد محتملة في مجال نفوذها. وفي هذه القراءة، يتيح القصف تعطيل التنقيب وإبعاد العاملين عنه تمهيدا لفرض السيطرة البرية، بينما يتعرض مدنيون لا تثبت الروايات المنشورة مشاركتهم في القتال للقتل والإصابة وفقدان مصادر رزقهم.
وتتقاطع هذه المعركة مع مصالح روسية متنامية في قطاع المعادن. ففي يونيو 2025، بدأت مالي بناء مصفاة ذهب بالشراكة مع مجموعة “يادران” الروسية، بطاقة معلنة تبلغ 200 طن سنويا. ولم تكشف المصادر المتاحة عن عقود تمنح “فيلق أفريقيا” مواقع التنقيب الحدودية تحديدا؛ بل أشار تحقيق لمنظمة “ذا سنتري” إلى إخفاق “فاغنر” في دخول قطاع الذهب المالي خلال وجودها في البلاد.
وكانت حساسية الحدود الجزائرية عاملا إضافيا في حسابات العمليات. ففي ليلة 31 مارس إلى الأول من أبريل 2025، أسقطت الجزائر مسيرة مالية قالت إنها اخترقت مجالها الجوي، بينما نفت باماكو هذه الرواية واتهمتها بعرقلة عمليات الجيش. وأفضى الحادث إلى أزمة دبلوماسية وإغلاق المجال الجوي بين الطرفين.
غير أن العلاقات شهدت لاحقا تقاربا؛ فأعلنت الجزائر إعادة فتح مجالها الجوي أمام الطيران المالي في 10 يوليو 2026. وفي 3 أكتوبر، أكد الرئيس عبد المجيد تبون عدم التدخل في الشؤون الداخلية لمالي، وتحدث عن قرب العلاقة بين البلدين ودعم باماكو في مواجهة الإرهاب.
ولم يظهر في البيانات والتغطيات التي راجعتها “عين الساحل” حتى 22 أكتوبر موقف جزائري معلن يدين تحديدا مقتل المنقبين في غارات مطلع أكتوبر. وترى المنصة أن غياب إدانة علنية، بالتزامن مع التقارب السياسي، يقلل الضغط الدبلوماسي على باماكو، من دون أن يثبت وجود موافقة جزائرية على الهجمات أو تفاهم بشأنها.
وفي تقريرها الصادر في 19 أكتوبر، وثقت هيومن رايتس ووتش ضربات وصفتها بالعشوائية، بينها قصف منشأة صحية في تلحندك بمنطقة كيدال. ونقلت عن بيانات “أكليد” تسجيل 49 غارة للقوات المالية وحليفها الروسي بين أبريل وأغسطس 2026، أسفرت عن مقتل 89 مدنيا في مناطق مختلفة من البلاد، مقابل 22 غارة و44 قتيلا في الفترة نفسها من 2025.
