"القرآنيون" و"أهل السنة".. اغتيال داعية يشعل معركة التكفير في نيجيريا
القاهرة - عين الساحل
أعاد اغتيال الداعية النيجيري يحيى إبراهيم ماسوسوكا، أحد أبرز الأصوات الدينية المنتقدة لكتب الحديث النبوي في شمال نيجيريا، الخلاف بين التيار المعروف باسم "القرآنيين" ودعاة "أهل السنة" إلى الواجهة، بعدما أعلن تنظيم "أنصار المسلمين في بلاد السودان"، المعروف اختصارا باسم "أنصارو" والمرتبط بتنظيم القاعدة، مسؤوليته عن مقتله بالرصاص أمام منزله في ولاية كاتسينا.
وقتل ماسوسوكا، البالغ 47 عاما، مع صديقه آدم أبوبكر، مساء الاثنين 26 أكتوبر، في مدينة دوتسين-ما شمالي نيجيريا، قبل أن يتبنى التنظيم العملية في تسجيل نشر الثلاثاء، متهما الداعية بالكفر والردة ومعاداة تعاليم الإسلام.
وأثار الاغتيال ردود فعل سياسية وحقوقية واسعة، دفعت الرئيس بولا أحمد تينوبو إلى إصدار أوامر للأجهزة الأمنية بملاحقة المنفذين، فيما طالبت منظمة العفو الدولية بالتحقيق في التهديدات وحملات التحريض التي سبقت مقتله.
رصاص أمام المنزل
بحسب شرطة ولاية كاتسينا، وقع الهجوم قرابة الساعة السابعة والنصف مساء الاثنين، عندما اقترب مسلحان يستقلان دراجة نارية من منزل ماسوسوكا، وأطلقا النار عليه وعلى صديقه آدم أبوبكر، قبل الفرار.
ونقل المصابان إلى مستشفى دوتسين-ما العام، حيث أعلن الأطباء وفاتهما متأثرين بجروحهما، بينما فتحت الشرطة تحقيقا لتحديد هوية المهاجمين والجهات التي تقف وراء العملية.
ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، عن مقربين من الشيخ وجيرانه، أن المسلحين باغتوه أثناء خروجه من منزله، بينما كان يستعد لإلقاء درسه المسائي المعتاد.
"أنصارو" تتبنى وتكفر
بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على الاغتيال، بث تنظيم "أنصارو" تسجيلا مدته نحو أربع دقائق أعلن فيه مسؤوليته عن قتل ماسوسوكا، متهما إياه بمخالفة تعاليم الإسلام والتشكيك في السنة النبوية.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام نيجيرية عن التسجيل، برر التنظيم العملية بمواقف الشيخ الدينية ودعوته إلى الحوار والتعايش بين المسلمين والمسيحيين، كما وجه تهديدات إلى شخصيات أخرى تتبنى آراء مماثلة.
غير أن الشرطة النيجيرية لم تعلن، حتى صباح الأربعاء، نتائج تحقيق تؤكد بصورة مستقلة صحة تبني التنظيم أو تحدد هوية المنفذين، بينما تضمنت روايته اختلافات بشأن توقيت الهجوم مقارنة بالمعلومات الرسمية.
ويعود ظهور "أنصارو" إلى عام 2012، عندما انشق عن تنظيم "بوكو حرام"، قبل أن يرتبط بشبكة القاعدة وينشط في مناطق من شمال نيجيريا ووسطها، مستفيدا من هشاشة الأوضاع الأمنية واتساع نشاط التنظيمات المسلحة في المنطقة.
ويثير تبنيه اغتيال شخصية دينية داخل مدينة مأهولة مخاوف من انتقال بعض أنشطة التنظيمات المتطرفة من الهجمات على المواقع العسكرية والقرى إلى عمليات تصفية تستهدف رجال الدين وأصحاب المواقف الفكرية المخالفة.
"القرآنيون" في مواجهة "أهل السنة"
لم يكن ماسوسوكا مجرد داعية محلي، بل أصبح خلال السنوات الماضية أحد أبرز الأصوات المثيرة للجدل في الأوساط الدينية الناطقة بلغة الهوسا في شمال نيجيريا وجنوب النيجر.
وتبنى الشيخ منهجا يقوم على تفسير القرآن بالقرآن، وانتقاد حجية كتب الحديث النبوي، معتبرا أن عددا من المرويات يتعارض مع النص القرآني أو يقدم صورة غير صحيحة عن النبي محمد.
وتتقاطع هذه المواقف مع أفكار التيار المعروف باسم "القرآنيين"، الذي يرفض الاعتماد على كتب الحديث مصدرا مستقلا للتشريع، في مقابل المدارس السنية التي تعتبر السنة النبوية أصلا أساسيا من أصول التشريع الإسلامي إلى جانب القرآن الكريم.
وأطلق ماسوسوكا سلسلة دروس بلغة الهوسا حملت عنوان "ريتايا دولي"، أي "التقاعد الإجباري"، انتقد فيها علنا عددا من كبار العلماء السلفيين، خصوصا دعاة جماعة "إزالة البدعة وإقامة السنة"، المعروفة اختصارا باسم "إزالة"، وهي من أكثر الحركات السلفية انتشارا في نيجيريا والنيجر.
وشملت سجالاته قضايا دينية حساسة، بينها عذاب القبر وسؤال الملكين ومكانة الأحاديث في تفسير العقائد والأحكام، ما أثار اعتراضات شديدة من علماء ومؤسسات دينية اتهمته بمخالفة المعتقدات السنية.
ولم تقتصر المواجهة على المحاضرات والمنابر، بل انتقلت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تبادل أنصار الطرفين الاتهامات، قبل أن تتدخل السلطات المحلية لاحتواء الخلاف.
تهديدات سبقت الاغتيال
بلغ التوتر ذروته في نوفمبر 2025، عندما استدعت حكومة ولاية كاتسينا ماسوسوكا للمثول أمام لجنة من العلماء ومجلس إمارة كاتسينا، على خلفية شكاوى تتهمه بالطعن في السنة النبوية وإثارة الخلافات الدينية.
غير أن بيانا رسميا أصدره سكرتير حكومة الولاية آنذاك، عبد الله غاربا فاسكاري، كشف أن الشيخ تقدم بدوره بشكوى إلى السلطات، اتهم فيها أشخاصا محسوبين على جماعة "إزالة" بإهانته وتهديده بالاعتداء والقتل.
وتدخل أمير كاتسينا، عبد المؤمن كبير عثمان، سعيا إلى احتواء النزاع، بينما طالبت السلطات الأطراف المعنية بوقف التصعيد والخطاب الذي قد يؤدي إلى اضطرابات دينية.
وعلى الرغم من حدة خلافاته مع التيارات السلفية، عرف ماسوسوكا بمعارضته للتنظيمات الإرهابية المسلحة، ودعوته إلى التعايش السلمي بين المسلمين والمسيحيين، وهي مواقف جعلته هدفا لانتقادات متكررة من أوساط متشددة.
ولا توجد، حتى الآن، أدلة معلنة تربط جماعة "إزالة" أو قياداتها بعملية الاغتيال، فيما تبقى التهديدات السابقة والتحريض المحتمل من بين المسائل التي تطالب جهات حقوقية بالتحقيق فيها.
مؤتمر للسلام لم يكتمل
وقع الاغتيال قبل خمسة أيام من موعد مؤتمر للسلام والوحدة والتعايش الديني، كان ماسوسوكا يستعد لتنظيمه السبت 31 أكتوبر في مدينة كاتسينا.
وكان الداعية قد أجرى اتصالات مع السلطات الأمنية للتحضير للمناسبة، التي هدفت إلى الدعوة للسلام ونبذ العنف وتعزيز التفاهم بين المكونات الدينية والاجتماعية في شمال نيجيريا.
وبعد مقتله، أصدر الرئيس بولا أحمد تينوبو بيانا أدان فيه الجريمة، ووصفها بأنها اعتداء على حرمة الحياة الإنسانية وقيم السلام، وأمر الشرطة والأجهزة الأمنية بملاحقة المسؤولين عنها وتقديمهم إلى العدالة.
كما أدان حاكم ولاية كاتسينا، ديكو عمر رادا، الاغتيال، ودعا السكان إلى ضبط النفس وعدم الانجرار إلى ردود فعل قد تهدد السلم الأهلي.
من جانبها، شددت منظمة العفو الدولية على ضرورة إجراء تحقيق شامل وفعال، وعدم تجاهل التهديدات والترهيب اللذين تعرض لهما الشيخ قبل مقتله، بما يضمن محاسبة جميع المسؤولين عن الجريمة.
من السجال الديني إلى القتل
تتجاوز تداعيات اغتيال ماسوسوكا حدود الخلاف بين "القرآنيين" والتيارات السنية، لتطرح أسئلة أوسع بشأن العلاقة بين التكفير والتحريض الديني والعنف المسلح في شمال نيجيريا.
ففي منطقة تتداخل فيها الانقسامات المذهبية مع نشاط التنظيمات الإرهابية، يمكن للخلافات العقدية أن تصبح مادة تستغلها التنظيمات المتطرفة لتبرير استهداف المخالفين، حتى عندما تكون تلك الخلافات محصورة في المحاضرات والمناظرات الدينية.
وتكشف القضية أيضا عن امتداد هذا التوتر إلى الحزام الديني والاجتماعي المشترك بين شمال نيجيريا وجنوب النيجر، حيث تنتشر لغة الهوسا وتتداخل شبكات التعليم الديني والدعوة والتجارة والعلاقات الاجتماعية عبر الحدود.
وبينما يسعى أنصار ماسوسوكا إلى تسليط الضوء على حملات التكفير والتهديدات التي تعرض لها، يتمسك خصومه من التيارات السلفية بالفصل بين معارضتهم لأفكاره وبين الجريمة، خصوصا بعد إعلان "أنصارو" مسؤوليته عنها.
لكن تبني التنظيم للعملية لا يحسم وحده جميع الملابسات، بما فيها كيفية التخطيط للاغتيال واحتمال وجود مساعدين محليين، فضلا عن طبيعة العلاقة، إن وجدت، بين التهديدات السابقة والجريمة.
وتضع هذه الأسئلة السلطات النيجيرية أمام اختبار مزدوج: كشف المنفذين ومحاسبتهم، ومنع تحول الخلافات الدينية إلى بيئة تسمح بالتكفير والتحريض والاغتيالات، في منطقة تعاني أصلا من تصاعد العنف المسلح وتراجع الأمن.
