رصد

من الساحل إلى المتوسط.. حرب الظل الروسية الأوكرانية

رصد وتحليل | عين الساحل

رصد الشحنات الروسية يكشف اتساع المواجهة إلى طرق الإمداد ومصالح موسكو في الساحل والصحراء

تضع الاستخبارات العسكرية الأوكرانية شحنات روسية متجهة إلى "الفيلق الأفريقي" تحت المراقبة، وتطوّر وسائل لتعطيل وصولها، بحسب تقرير نشره موقع "إنتليجنس أونلاين" في 28 أكتوبر 2026. وتفتح هذه المعلومات فصلاً جديداً في مواجهة تتجاوز الجبهة الأوكرانية إلى الساحل والصحراء، حيث تتقاطع معارك أزواد مع موانئ المتوسط وشبكات الإمداد العابرة لأفريقيا.

وبعد يومين، رصد "ذا ماريتايم إكزكيوتيف" تجمع خمس سفن شحن روسية في بالتييسك على بحر البلطيق، بينها "ليدي آر" و"سبارتا" و"أناستاسيا". وأظهرت صور فضائية، وفق تحليله، عمليات تحميل في 27 أكتوبر وانتقال ثلاث سفن إلى المرسى الخارجي بحلول 30 أكتوبر. لكن وجهة التجمع الجديد لم تُحسم، ولا تثبت المعطيات المنشورة أن السفن الخمس تمثل كامل القافلة التي تراقبها كييف، أو أن اعتراضاً وقع بالفعل.

من السودان إلى أزواد

ظهرت مؤشرات المواجهة في السودان قبل أزواد. ففي سبتمبر 2023، نشرت CNN تحقيقاً رجّح ضلوع أجهزة أوكرانية في ضربات ضد قوات الدعم السريع المرتبطة آنذاك بدعم فاغنر. وفي مارس 2024، نقلت "وول ستريت جورنال" شهادات عسكريين أوكرانيين عن مشاركتهم في عمليات بالسودان، ضمن مسعى لرفع كلفة الحرب على موسكو خارج حدود أوكرانيا.

ثم دفعت معارك تينزاواتين بين جبهة تحرير أزواد، والجيش المالي وفاغنر، قرب الحدود الجزائرية، في يوليو 2024، بهذه المواجهة إلى قلب أزمة دبلوماسية. فقد تكبد الجيش المالي ومقاتلو فاغنر خسائر كبيرة، وأدلى المتحدث باسم الاستخبارات الأوكرانية أندريه يوسوف بتصريحات فسّرتها باماكو على أنها إقرار بمساعدة المقاتلين المناوئين لها. قطعت مالي والنيجر علاقاتهما بكييف، ثم شاركتهما بوركينا فاسو رسالة إلى مجلس الأمن بتاريخ 19 أغسطس، تتهم أوكرانيا بدعم الإرهاب.

رفضت الخارجية الأوكرانية الاتهامات، ونفى المتحدث الأزوادي محمد المولود رمضان، في تصريح إلى رويترز، تلقي مساعدة أوكرانية أو خارجية في تينزاواتين. وفي أكتوبر 2024، نشرت «لوموند» معلومات عن تعاون في مجال المسيّرات، قابلها نفي أوكراني رسمي لتوريدها إلى مقاتلي أزواد. وتظل تفاصيل الدور الأوكراني في تلك المعركة موضع خلاف.

وفي 12 سبتمبر 2026، قدمت CNN رواية أحدث، استناداً إلى مقابلات مع عسكريين أوكرانيين، قالت فيها إن نحو 15 متخصصاً يعملون في شمال مالي لدعم جبهة تحرير أزواد. ووصف مشاركون دورهم بالتدريب والمساندة بعيداً عن الخطوط الأمامية. وتوسّع هذه الشهادات صورة التعاون المعلن في التقارير، لكنها لا تحسم بأثر رجعي وقائع 2024، ولا تختزل النزاع الأزوادي، بجذوره المحلية والسياسية، في حرب بالوكالة.

ليبيا وشبكة العبور إلى الساحل

دخلت فاغنر مالي أواخر 2021، مع اتساع الاعتماد على روسيا وتراجع الحضور الغربي. وعندما أعلنت مغادرتها في يونيو 2025، أكد "الفيلق الأفريقي" بقاءه تحت قيادة وزارة الدفاع الروسية، لتستمر الحاجة إلى نقل القوات والمعدات والإسناد عبر شبكة تتوزع بين البحر والجو والبر.

وتتجاوز الشبكة ميناء طبرق. فقد رصدت دراسة لجامعة تكساس منشورة عبر مشروع "تيرلاين"، في يونيو 2026، أعمال توسعة وتطوير في ست قواعد ليبية ذات حضور روسي مُبلغ عنه، بينها الخادم والجفرة وبراك الشاطئ. وحددت C4ADS، في دراسة منفصلة، 75 رحلة لإمداد العمليات الروسية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر بين يناير 2025 ويوليو 2026، مع دور بارز لمحطات العبور الليبية. ويعبّر الرقم عن الرحلات التي أمكن تحديدها، لا مجمل النشاط الروسي.

وفي سبتمبر، رصدت وكالة "نوفا" وصول قافلة روسية إلى طبرق، ثم نقلت عن مصادر أمنية ليبية أن بعض معداتها نُقل جواً إلى مالي. وتستطيع بعض نسخ طائرات النقل "إل-76" حمل عتاد عسكري ثقيل، لكن بيانات الرحلات وحدها لا تثبت نوع الحمولة ولا أن كامل ما أُنزل من السفن انتقل بالطائرات. كما لا تسمح هذه الأدلة بتعيين ممر بري للقافلة الجديدة عبر النيجر أو تشاد.

وتفسر «العقدة السورية» جانباً من أهمية ليبيا. فبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، دفع الغموض المحيط بمستقبل القواعد الروسية إلى البحث عن بدائل وتعزيز نقاط ارتكاز أخرى. ومع ذلك، لم تختفِ طرطوس من الشبكة: وثّقت رويترز في سبتمبر 2026 وصول قافلة إمداد جديدة إليها، بعد اتفاق روسي سوري بشأن مستقبل الوجود العسكري. لذلك تبدو طبرق جزءاً من تنويع منافذ الإمداد، دون دليل كافٍ على أنها حلّت نهائياً محل طرطوس.

كوناكري والمخرج الأطلسي

تمثل غينيا منفذاً آخر للمعدات الثقيلة. فقد تتبعت أسوشيتد برس، في تحقيق نشرته عام 2025، سفناً روسية أفرغت عتاداً في ميناء كوناكري، ثم وثّقت نقله بالشاحنات إلى مالي. يتيح هذا المسار الوصول إلى باماكو من الأطلسي، من دون المرور بليبيا. وفي يوليو 2026، رصد مشروع "التهديدات الحرجة" شحنة أخرى إلى مالي عبر ميناء لومي في توغو. وتوضح هذه السوابق تعدد الخيارات الروسية، لكنها لا تثبت وجهة سفن بالتييسك الحالية.

على الجانب الأوكراني، بات البحر نفسه مسرحاً محتملاً للعمليات. ففي أبريل 2026، نقلت أسوشيتد برس عن مسؤولين ليبيين أن أوكرانيين يعملون غربي البلاد نفذوا هجوم 3 مارس على ناقلة الغاز الروسية "أركتيك ميتاغاز" في المتوسط. لم تتلق الوكالة تعليقاً فورياً من كييف على روايتهما. وتتعلق الواقعة بناقلة طاقة، ويظل الربط بينها وبين استهداف شحنات "الفيلق الأفريقي" احتمالاً يحتاج إلى دليل مستقل.

الذهب وحدود تفسير التمويل

يتجاوز الرهان المعدات العسكرية إلى موارد النفوذ الروسي. فقد ربطت الخزانة الأمريكية، عند فرض عقوبات في يونيو 2023، شبكات لتجارة الذهب بتمويل عمليات فاغنر في أفريقيا وأوكرانيا. لكن تعميم النموذج على كل بلد يطمس الفروق: خلص تحقيق "ذا سنتري" في أبريل 2026 إلى أن فاغنر أخفقت في اختراق قطاع الذهب المالي على النحو الذي سعت إليه، وأن موسكو بدت ممولاً رئيسياً لانتشارها. وهذا يمنع الجزم بأن عائدات منجم بعينه، مثل إنتهاكا، تموّل الحرب الأوكرانية من دون تتبع مالي موثق.

الجوار أمام اتساع المواجهة

وتكتسب حسابات الجزائر وموريتانيا وزناً مباشراً. أعلنت الرئاسة الجزائرية في 26 أكتوبر 2026 قرار إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر لحماية المصالح الاقتصادية والطاقوية المشتركة، بما يكشف انخراطاً أمنياً يتجاوز مجرد مراقبة الحدود. وفي موريتانيا، وثّقت مفوضية اللاجئين وصول نحو 14,400 لاجئ إلى الحوض الشرقي بين 24 أكتوبر 2025 و21 مايو 2026 بسبب انعدام الأمن في مالي. هذه آثار ملموسة لاضطراب الجوار، بينما يبقى انتقال المواجهة الروسية الأوكرانية إلى أراضيهما سيناريو غير مثبت.

في تقدير "عين الساحل"، يمنح تعدد الموانئ والقواعد روسيا قدرة على مواصلة الإمداد، لكنه يوسّع أيضاً دائرة الدول التي قد تتأثر باستهداف مصالحها. أما كييف، فتبحث، وفق التقارير المتاحة، عن زيادة كلفة الانتشار الروسي خارج جبهتها الرئيسية. وسيكون التحول الأبرز استهدافاً موثقاً لشحنة عسكرية متجهة إلى الساحل، أو تعطلاً مستمراً في الإمداد يمكن ربطه بالمواجهة. حتى ذلك الحين، تتسع حرب الظل عبر نزاعات محلية وشبكات نقل ومصالح اقتصادية، وتبقى حدود العمليات السرية أقل وضوحاً من تداعياتها السياسية.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي