رصد

مسيّرات صغيرة تغيّر ميزان القوة في الساحل وتهدد تفوق الجيوش

رصد وتحليل | عين الساحل

دراسة حديثة تحذّر من تآكل التفوق الجوي للجيوش أمام طائرات منخفضة الكلفة وفجوات في حماية المواقع حذّرت ورقة بحثية نشرها "مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية" في 28 أكتوبر 2026 من أن اتساع استخدام المسيّرات الصغيرة والمنخفضة الكلفة لدى الجماعات المسلحة يقلّص التفوق الجوي الذي تمتعت به الحكومات الأفريقية لسنوات. وفي الساحل، يضع هذا التحول الجيوش أمام تهديد يتزايد بالتوازي مع استثماراتها في الطائرات المستوردة وقدرات المراقبة والضربات البعيدة.

وتبرز هنا فجوة بين امتلاك وسيلة للهجوم من الجو والقدرة على حماية القوات والمنشآت من هجمات مماثلة. فالطائرة التي تراقب مساحة واسعة أو تنفذ ضربة بعيدة تؤدي مهمة تختلف عن التصدي لمسيّرة صغيرة تستهدف موقعاً عسكرياً. وفي تقدير "عين الساحل"، يصبح تطوير الحماية شرطاً للحفاظ على قيمة الاستثمارات العسكرية القائمة.

عشر استجابات من أصل 245 واقعة

استندت الورقة إلى بحث أصلي نشره "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" في يوليو 2026، للباحثين رضا الياموري ونيكولا ميلنز. وحلّل البحث 245 واقعة مرتبطة باستخدام جهات مسلحة للمسيّرات، بين 1 سبتمبر 2023 و3 يوليو 2026، في مالي وبوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا وتوغو والكاميرون وبنين.

وسجل الباحثان ظهور استجابة مخصصة لمكافحة المسيّرات في عشر حالات فقط، أي نحو 4.1% من العينة. وتقيس النسبة الاستجابة الموثقة في سجل البحث، ولا تعني أن 96% من الهجمات نجحت أو أن بقية المواقع كانت بلا دفاعات. فغياب التوثيق لا يثبت غياب الاستجابة، كما أن رصد محاولة التصدي لا يثبت نجاحها.

وأفاد البحث بأن 69% من الوقائع استهدفت منشآت ثابتة. وتوضح النسبة طبيعة المواقع المتكررة في العينة، لكنها لا تسمح بتعميم مستوى واحد من الحماية أو الخطر على جميع الدول. كما أن العينة تتجاوز الساحل الأوسط إلى حوض بحيرة تشاد وبلدان ساحلية في غرب أفريقيا.

قدرات مختلفة وفاعلون مختلفون

توضح ورقة "مركز أفريقيا" أن المسيّرات تضم منصات متباينة في الحجم والوظيفة والكلفة. وتتركز مشتريات الجيوش الأفريقية بدرجة كبيرة في الطائرات القادرة على البقاء طويلاً في الجو، بينما تتوسع جهات مسلحة في استخدام منصات تجارية صغيرة للاستطلاع والهجوم. ويخلق هذا التفاوت مواجهة تستطيع فيها أدوات منخفضة الكلفة تهديد معدات ومنشآت أعلى قيمة.

ويشمل البحث تنظيمات مرتبطة بالقاعدة وداعش، إلى جانب "جبهة تحرير أزواد" ذات الأهداف السياسية والإقليمية المختلفة. وإدراج هذه الأطراف في عينة تقنية واحدة لا يعني وحدة مشاريعها أو وجود تعاون بينها.

وترى "عين الساحل" أن قراءة هذا التحول تتطلب فصل عدد الطائرات عن أثر استخدامها. فظهور مسيّرة في تسجيل لا يكفي وحده لتحديد حجم الخسائر أو إثبات تعطيل منشأة، كما أن إعلان امتلاك معدات جديدة لا يثبت جاهزيتها المستمرة. ويظل قياس الأثر مرتبطاً بما يمكن التحقق منه بشأن استمرارية عمل الموقع وحركة الإمداد بعد الهجوم.

كلفة تتجاوز الخسائر المباشرة

في تقدير "عين الساحل"، قد يظهر الأثر الاستراتيجي للمسيّرات قبل تدمير منشأة أو خسارة طائرة كبيرة. فتكرار التهديد يمكن أن يفرض توقفات في العمل، وزيادة الإنفاق على الحماية والصيانة، وتحويل موارد من مهام أخرى. وبذلك تصبح قدرة الدولة على إبقاء منشآتها وخدماتها قيد التشغيل جزءاً من اختبار قوتها العسكرية.

وتهم هذه المعادلة دول شمال أفريقيا المرتبطة بالعمق الساحلي عبر الحدود والمشروعات الاقتصادية وطرق النقل. فالاضطراب جنوباً قد يؤثر في كلفة التشغيل والتأمين واستمرارية المصالح العابرة للصحراء. غير أن انتقال تهديد محدد إلى دولة عربية يحتاج إلى أدلة محلية؛ ولا يكفي التجاور الجغرافي أو انتشار التقنية لإثباته.

وتخلص قراءة "عين الساحل" إلى أن الإنذار الأهم يتعلق بسرعة التكيف: هل تتطور حماية المواقع بالوتيرة نفسها التي تتطور بها أدوات مهاجمتها؟ ويقاس ذلك بتكرار الوقائع المثبتة، واستمرارية تشغيل المنشآت المتضررة، والاستجابات المؤسسية المعلنة. فالتفوق الجوي يحتفظ بأهميته، لكن استدامته تقتضي حماية القوات والمنشآت التي يعتمد عليها.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي