أفارقة في حرب روسيا.. وعود العمل تنتهي في الخنادق
تظهر أسماء 51 ماليا في قاعدة بيانات لمجندين أفارقة في الجيش الروسي، ضمن ملف يتجاوز انتقال أفراد إلى حرب أجنبية، ليكشف مسارات لاستدراج باحثين عن العمل والدراسة إلى القتال في أوكرانيا. أوردت منظمة التحقيقات الأوروبية "إمباكت" الرقم في تحديث نشرته في 23 مارس 2026، شمل أيضا مجندين من مصر والكاميرون والجزائر ودول أفريقية أخرى.
وفي 10 سبتمبر 2026، خلص تحقيق جديد لمنظمة "العفو الدولية" إلى أن الخداع والإكراه واستغلال أوضاع المهاجرين في بعض حالات التجنيد الروسي ترقى إلى الاتجار بالبشر. استند التحقيق إلى ست زيارات لمعسكرين لأسرى الحرب في غرب أوكرانيا بين 2024 و2026، شملت مقابلات مع 15 أسيرا من رعايا دول ثالثة، وإلى معلومات من مجندين وعائلاتهم ومحامين وحقوقيين.
مالي في قوائم التجنيد والقتلى
في تحقيقها "تجارة اليأس"، المنشور في فبراير 2026، درست "إمباكت" قاعدة تضم 1417 مجندا أفريقيا، بعقود موقعة بين يناير 2023 و5 سبتمبر 2025. وتورد قائمة القتلى المرفقة بالتقرير 15 اسما مصنفا ضمن الجنسية المالية.
حصلت المنظمة على الملفات عبر اتصالات ومشروع "أريد أن أعيش" الأوكراني، ثم راجعت آثارا رقمية ومنشورات لأشخاص وردت أسماؤهم فيها. وقالت إنها وجدت ما يدعم أصالة القوائم، مع أخطاء في تسجيل بعض الجنسيات وحالات وفاة خارجها. وهذه حدود مهمة: الأرقام تخص قاعدة جزئية، ولا تمثل إحصاء شاملا أو حصيلة لعام 2026.
ولا تثبت الجنسية وحدها مكان التجنيد أو ظروفه. فقد شمل البحث مقيمين في روسيا، وآخرين وصلوا من أفريقيا، وأشخاصا عبروا عن تأييدهم للقتال إلى جانب موسكو. لذلك لا يمكن اعتبار جميع الماليين المدرجين ضحايا خداع، أو نسبة انتقالهم إلى جهة واحدة.
ورصد التحقيق وكالات سفر ووسطاء محليين وإعلانات وظائف، فضلا عن مجندين تحولوا إلى وسطاء لاستقطاب آخرين. تتداخل في هذه المسارات خدمات التأشيرات والسفر مع عروض الالتحاق بالجيش، فيما يصعب على طالب العمل التحقق من حقيقة الوظيفة قبل المغادرة. حسب تقرير "إمباكت".
من الدراسة إلى حمل السلاح
عرضت صحيفة "إل باييس"، في تقرير نشرته في 7 مارس 2026، حالة السنغالي ماليك ديوب، البالغ 25 عاما، الذي وصل إلى روسيا بمنحة دراسية عام 2023. وبحسب روايتها، التحق بالجيش للعمل طباخا وأرسل إلى لوغانسك، ثم سلم سلاحا ودفع إلى القتال في أبريل 2025، قبل أن تأسره القوات الأوكرانية.
وروت الصحيفة مسارا آخر للغامبي لامين ياتا: دخل بيلاروسيا بتأشيرة طالب عام 2023، ثم انتقل إلى روسيا بحثا عن عمل. أوقفته الشرطة بسبب وضع إقامته، وأجبر، بحسب التقرير، على توقيع عقد عسكري. وأعلن مقتله في أغسطس 2024.
تختلف نقطة البداية بين الحالتين، لكنهما توضحان كيف يمكن استغلال الحاجة إلى الدخل أو تسوية الإقامة لنقل أشخاص من الهجرة المدنية إلى الخدمة العسكرية.
ووثقت "العفو الدولية" استغلال انتهاء التأشيرات والاحتجاز لعرض التجنيد بديلا عن الترحيل أو السجن. وروى أشخاص استقدمتهم إعلانات من خارج روسيا أنهم وعدوا بوظائف في البناء والنقل والأمن، ثم وقعوا أوراقا لا يفهمون لغتها.
وفي حالة من جنوب أفريقيا، قالت زوجة سائق إنه تقدم لوظيفة في بولندا، لكن وسيطة وجهته إلى موسكو بزعم تسلم شاحنة وقيادتها إلى هناك. عند وصوله، أبلغ بأنه سيصبح جنديا. وأضافت المنظمة أن مقابلاتها كشفت مصادرة جوازات، وتقييد حركة، وتهديدات لمن طلبوا المغادرة، ووعودا مالية لم تتحقق لدى بعض من قابلتهم.
رواية موسكو ومصير الغائبين
تقدم موسكو رواية مختلفة عن طبيعة الالتحاق. ففي 16 مارس 2026، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الكينيين وقعوا عقودهم طوعا. وفي المؤتمر نفسه، أعلن نظيره الكيني موساليا مودافادي التوصل إلى اتفاق يمنع تجنيد مزيد من مواطني بلاده عبر وزارة الدفاع الروسية، مع ترتيب مساعدة قنصلية لمن سبق التحاقهم. ولم ترد الوزارة على طلب تعليق من "رويترز" بشأن الملف.
أما العائلات، فتواجه مشكلة تسبق التعويض أو المحاسبة: معرفة مكان أبنائها ومصيرهم. قالت "إمباكت" إن أسرا تواصلت معها بعد نشر القوائم، بينها عائلات لم ترد أسماء أقاربها أصلا، طالبة المساعدة في العثور عليهم أو استعادة جثامينهم والحصول على شهادات وفاة.
وفي إحدى الحالات التي عرضتها المنظمة، أمكن تحديد تاريخ التعاقد والوحدة العسكرية وتاريخ الوفاة المسجل، لكن مكان الرفات بقي مجهولا. بالنسبة إلى الأسرة، لم يكن العثور على الاسم في السجل نهاية البحث.
