"الدهابة" تحت النار.. قصة ذهب الحدود بين مصر وشبكات الساحل
القاهرة - عين الساحل
كان شرف الدين علي، 26 عاما، ينتظر شاحنة تعيده إلى موقع التنقيب الذي نجا فيه من القصف. قال لوكالة فرانس برس إنه يريد استرداد ذهبه، بعدما دفن صديقه مع عمال آخرين. ترك الشاب السوداني دراسته بعد اندلاع الحرب، وأصبح التنقيب مصدر رزقه.
أعاد قصف مواقع التعدين قرب الحدود المصرية السودانية في 10 أكتوبر تسليط الضوء على “الدهابة” واقتصاد الذهب الذي يعملون فيه. وطالبت ثماني منظمات حقوقية، في بيان نشره مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان في 21 أكتوبر، بتحقيق مستقل في ضربات رجحت مسؤولية مصر عنها. وتقول القاهرة إن حملتها تستهدف التعدين غير القانوني داخل أراضيها.
مناجم على جانبي الحدود
“الدهابة” تسمية للمنقبين الأهليين عن الذهب، تشمل مصريين وسودانيين وغيرهم يعملون في الحفر واستخراج الصخور ونقلها ومعالجتها. وينتشر نشاطهم في الصحراء الشرقية المصرية وشمال السودان، بين وادي النيل والبحر الأحمر، بعيدا عن المدن والخدمات.
تتوزع مواقع التنقيب بين أراض مصرية وسودانية ومناطق متنازع عليها. وأبرزها مثلث حلايب، الذي تديره مصر ويطالب السودان بالسيادة عليه، دون إدارة مشتركة بين البلدين.
وبحسب البيان الحقوقي، حدد تحقيق لشبكة “عاين” السودانية موقعين مرتبطين بالضربات: أحدهما داخل مثلث حلايب، والآخر داخل الأراضي المصرية. وتناول البيان قصف تجمعات للمنقبين في جبل “العقيدات”، بمنطقة “شمال الوادي” قرب الحدود.
وتوثق تحقيقات “مدى مصر” مشاركة عمال من قرى الصعيد وسكان الصحراء، إلى جانب سودانيين ومهاجرين أفارقة، في استخراج الذهب. ويكسر العمال صخور الكوارتز الحاملة للمعدن ويطحنونها، فيما يتولى آخرون النقل والمعالجة والبيع.
ووصف عمال للموقع انتقالهم بين التنقيب والزراعة ومزارع الدواجن تبعا للإجراءات الأمنية في الجبل، بحثا عن دخل بديل حين يتعذر الوصول إلى المناجم.
حصة العامل ومسار الذهب
قبل أن يحصل المنقب على عائد عمله، يدفع تكاليف النقل والمعالجة. وشرح عمر عبد الرازق عبد الله، الذي فقد ابنه وابن أخيه في القصف، لفرانس برس أن أصحاب الشاحنات ومعالجة الخام وغيرهم يتقاضون مستحقاتهم أولا.
ويمنح هذا الاعتماد أصحاب المعدات والنقل والتجارة نفوذا على العامل، الذي يحتاج إلى خدماتهم لإيصال إنتاجه إلى السوق.
وقدر تقرير لمعهد “تشاتام هاوس”، استنادا إلى بحث تناول عامي 2023 و2024، أن الصادرات غير الرسمية والمهربة إلى مصر تعادل نحو 60% من إنتاج ولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر السودانية. في المقابل، بلغت الصادرات السودانية الرسمية إلى مصر 16 مليون دولار فقط في 2024.
ويرصد المعهد مرور الذهب السوداني عبر دول الجوار، ومنها مصر وتشاد، ضمن تجارة اتسعت مع الحرب. وداخل السودان، أسهمت السيطرة على الإنتاج والتجارة في تمويل الجيش وقوات الدعم السريع، بحسب التقرير، مع اختلاف المستفيدين تبعا للجهة المتحكمة في المنجم والسوق وطريق التصدير.
وفي مصر، أعلنت وزارة البترول مشروع مجمع للتعدين الأهلي في دهميت بأسوان، تتولاه شركة شلاتين، لتقنين أوضاع المنقبين وتنظيم المعالجة وحفظ حقوق الدولة.
امتداد إلى الساحل
تظهر الصلة بالساحل في انتقال العمال السودانيين إلى حقول الذهب بشمال تشاد، قرب الحدود الليبية. ويوثق تقرير للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود انتقال سودانيين إلى حقل كوري بوغودي للعمل أو لتمويل مواصلة رحلتهم إلى ليبيا.
وقدّر التقرير وصول ما يصل إلى 600 سوداني شهريا خلال النصف الأول من 2025، استنادا إلى مقابلات مع ناقلين ومصادر محلية. يعمل بعضهم مؤقتا قبل المغادرة، بينما يستقر آخرون في التعدين والتجارة.
وفي بحث آخر، وثقت المبادرة وجود مقاتلين سابقين وبقايا جماعات متمردة داخل اقتصاد حقول الذهب بشمال تشاد. ويتولى بعضهم الوساطة وحماية القوافل وتسهيل المرور، حيث تتداخل تجارة المعدن مع أسواق السلاح والنقل.
ورصد البحث إعادة توظيف شبكات جنوب ليبيا لتأمين الإمدادات ومرافقة الشحنات المرتبطة بالحرب السودانية. وتشمل هذه الصلات حركة العمال والوسطاء وخدمات الحماية، إلى جانب تجارة الذهب.
وفي قراءة “عين الساحل”، تمنح السيطرة على الطرق والأسواق دخلا ونفوذا حتى لمن لا يملك منجما. ويحد اعتماد العمال على هذه الشبكات من قدرتهم على الاحتفاظ بعائد إنتاجهم، فيما تتيح هشاشة الرقابة انتقال التجارة بين المسارات.
وأعلن مجلس السيادة السوداني في 12 أكتوبر عزمه تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في مقتل المنقبين، وسط مطالب حقوقية بتحقيق مستقل يحدد المسؤوليات.
