الجريمة والتطرف في الساحل.. من يحمي شبكات الخطف والتهريب؟
في شمال غرب نيجيريا، تحوّل مسلحون استعانت بهم قرى لمواجهة العصابات إلى شركاء لبعض خاطفي السكان وسارقي المواشي. وفي بوركينا فاسو، تصل حيوانات ينتزعها المتطرفون من أصحابها إلى تجار ووسطاء يعيدون بيعها داخل أسواق مدنية. وتكشف الحالتان كيف تلتقي الجريمة والتطرف في عمليات محددة، من دون اندماج جميع المشاركين في تنظيم واحد، وفق أبحاث المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وتحقيقات صحفية ميدانية.
وفي تقييم نشرته المبادرة في يناير 2026، وصفت تنظيم "لاكوراوا" بأنه يجمع بين خطاب ديني متشدد وأنشطة إجرامية تموّله. وفي تقييم آخر في مايو 2026، رصدت كيف يمكن لتبدّل السيطرة في شمال مالي أن يعيد ترتيب الحماية والإتاوات على طرق التهريب.
ولا تقدم هذه الأبحاث إحصاءً موحداً لعصابات الساحل. لكن خريطة المبادرة المنشورة في أكتوبر 2025، المستندة إلى أكثر من 700 مقابلة، حددت 350 مركزاً للأنشطة غير المشروعة في 18 دولة بغرب أفريقيا وأجزاء من وسطها. وخلصت إلى أن نحو خُمس هذه المراكز يؤدي دوراً مهماً في تغذية النزاع والعنف وعدم الاستقرار. وهذه مراكز جغرافية، وليست عدداً للتنظيمات أو العصابات.
الخطف.. تعاون من دون عضوية
بدأ حضور "لاكوراوا" على الحدود بين النيجر ونيجيريا بوصفه قوة يستعين بها السكان لردع قطاع الطرق. لكن المسار تغيّر؛ وبحسب تقييم يناير 2026، فرض التنظيم إتاوات حماية وصادر ماشية، ثم تعاون خلال الفترة بين 2020 و2022 مع بعض العصابات التي استُقدم لمواجهتها.
وتوضح دراسة المبادرة المنشورة في ديسمبر 2025، المبنية على مقابلات مع سكان وقادة محليين وعناصر حراسة أهلية، أن بعض هؤلاء أصبحوا متعاونين مع "لاكوراوا" في الخطف وسرقة المواشي، من دون أن يكونوا أعضاء رسميين فيه. وكانت عمليات الخطف موضع تنازع على مناطق النشاط وتقاسم العائدات قبل أن تتحول، في حالات رصدها الباحثون، إلى عمل منسق.
وينقل البحث بلاغات عن سرقة أكثر من 1800 رأس من الأبقار في منطقة إيليلا بولاية سوكوتو بين مايو ويوليو 2025، وينسبها إلى "لاكوراوا" وعصابات مرتبطة به. ومع تشديد الرقابة على الحدود مع النيجر، اتجهت شبكات البيع إلى أسواق أبعد داخل نيجيريا، مستعينة بوسطاء يشترون الحيوانات من المسلحين لإعادة تسويقها.
وتشير الدراسة إلى تقارير عن مبايعة "لاكوراوا" لفرع "داعش" في الصحراء الكبرى. لكنها تعرض تشكّل ممر أوسع لتبادل المقاتلين والموارد بين الساحل ونيجيريا باعتباره خطراً محتملاً؛ ولا تثبت وجود قيادة موحدة تدير كل العصابات في هذه المناطق.
المواشي.. وسطاء بين المسلحين والأسواق
في بوركينا فاسو، وثّق تحقيق "ذا نيو هيومانيترين" المنشور في يوليو 2025 جانباً آخر من العلاقة. فقد قال راعٍ، غُيّر اسمه لحمايته، إن مسلحين انتزعوا منه 40 بقرة في أكتوبر 2023 بدعوى تحصيل "زكاة" متأخرة، قبل أن ينقل أسرته ويغادر بما تبقى من قطيعه إلى غانا.
وبحسب التحقيق، يعتمد تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" على تجار وجزارين لتصريف المواشي المسروقة بعدما أصبح وصول مقاتليه إلى الأسواق أصعب. وأقرّ تاجر تحدث للموقع بشراء حيوانات كان انخفاض سعرها يكشف، في تقديره، أنها مسروقة، ثم بيعها في غانا. بذلك يستطيع المسلح تحصيل المال من دون الظهور بنفسه في السوق النهائي، بينما يحصل الوسيط على هامش ربح من إعادة البيع.
وفي شمال توغو، عند الحدود مع بوركينا فاسو وغانا، يقدم سوق سينكاسي مثالاً على محاولة تعطيل هذه الحلقة. فقد أغلقته السلطات في أكتوبر 2024، قائلة إنه يُستخدم لتصريف مواشٍ مسروقة وتمويل "نصرة الإسلام والمسلمين"، ثم أعادت فتحه بعد شهر بإجراءات جديدة، وفق دراسة للمبادرة في ديسمبر 2025.
شملت الإجراءات خفض عدد الوسطاء المسجلين من أكثر من 40 إلى 21، وتسجيل هويات البائعين، وفرض إيصالات توثق الحيوانات والمبيعات، ومنع حركة القطعان ليلاً. وسجل السوق بيع نحو 23 ألف حيوان خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025. ومع ذلك، حذّر الباحثون من إمكان إدخال المواشي المسروقة إلى التجارة النظامية في أسواق سابقة على الطريق، قبل وصولها إلى سينكاسي.
السلاح وطرق الحماية
في شمال مالي، تتوقف حركة شبكات التهريب أيضاً على الجهة القادرة على حماية الطريق. ووفق بحث للمبادرة صدر في ديسمبر 2025، كانت شبكات مرتبطة بقوى مسلحة تخزّن السلاح وتبيعه في بلدة بير، قبل أن يؤدي استيلاء الجيش المالي عليها في أغسطس 2023 إلى انسحاب المسلحين والتجار المرتبطين بهم.
واستند البحث إلى مقابلات مع تجار ووسطاء وأعضاء في تشكيلات مسلحة، ورصد ارتفاع أسعار السلاح وظهور مسارات بديلة، بينها طريق من شمال نيجيريا عبر النيجر إلى مالي. ونقل عن مصادر محلية أن بعض عناصر "نصرة الإسلام والمسلمين" باعوا أسلحة استولوا عليها خلال القتال. هنا يظهر التنظيم مشترياً للسلاح ومصدراً لبعض المعروض منه، بحسب ظروفه واحتياجاته.
ثم أعادت تطورات أبريل 2026 في مالي فتح ملف هذه الترتيبات. وفي تقييمها المنشور في 8 مايو، قالت المبادرة إن ترتيبات سابقة شملت اتفاقات غير رسمية وإتاوات على طرق نقل الوقود والسلع بين مناطق نفوذ "نصرة الإسلام والمسلمين" وتشكيلات أزوادية. ورجّحت عودة بعض هذه الترتيبات إذا استقر نفوذ القوى التي تقدمت شمالاً؛ وهو تقدير مشروط، وليس توثيقاً لعودة جميع الشبكات إلى العمل.
وتُظهر الحالات الموثقة اختلاف الأدوار: مسلحون ينفذون السرقة والخطف، ووسطاء يحولون المسروقات إلى مال، وقوى تفرض رسوماً على الطرق. أما وجود تاجر أو ناقل في منطقة نفوذ تنظيم متطرف، فلا يكفي وحده لإثبات شراكته معه.
