من المنابر إلى السلطة.. أربعة مسارات للنفوذ الديني في الساحل والسودان (2-9)
عين الساحل – خاص
بعد أن تناولت الحلقة الأولى من هذه السلسلة جذور الحركات الإسلامية في الساحل والسودان، وتطور تنظيماتها ومؤسساتها الدينية والاجتماعية، تنتقل الحلقة الثانية إلى مسار أكثر تعقيداً: كيف تحولت المرجعيات الدينية إلى أدوات للتنافس السياسي، وما الذي جعل بعضها يصل إلى الحكم، بينما اكتفى بعضها الآخر بالمشاركة الانتخابية أو التأثير في السلطة من خارج مؤسساتها؟
تكشف تجارب السودان وموريتانيا ومالي والسنغال عن أربعة مسارات مختلفة. ففي السودان، وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر تحالف مع الجيش عام 1989، وفي موريتانيا اختار حزب "تواصل" العمل الانتخابي، بينما تحول الداعية محمود ديكو في مالي إلى أحد أبرز رموز المعارضة السياسية. أما السنغال، فقد حافظت فيها الطرق الصوفية على نفوذها الاجتماعي والسياسي داخل دولة علمانية، من دون أن تتحول بالضرورة إلى أحزاب تتنافس على الحكم.
وتوضح هذه التجارب أن النفوذ الديني لا ينتج نموذجاً سياسياً واحداً، وأن الانتقال من المسجد أو الجمعية إلى مؤسسات الدولة يتوقف على طبيعة الأنظمة السياسية، وموازين القوى، وقدرة المؤسسات الدينية على تعبئة المجتمع، وحدود استقلالها عن السلطة.
من الدعوة إلى السياسة
منذ استقلال دول المنطقة، تباينت العلاقة بين المرجعية الإسلامية والدولة الحديثة. ففي موريتانيا، اكتسب الإسلام مكانة دستورية منذ تأسيس الجمهورية، بينما حافظت مالي والسنغال على أنظمة علمانية رسمياً، مع استمرار التأثير الاجتماعي الواسع للمؤسسات الإسلامية. أما السودان، فقد ارتبطت حياته السياسية مبكراً بأحزاب ذات امتدادات دينية وطائفية، قبل صعود الحركة الإسلامية المنظمة.
ومع توسع التعليم الديني والجمعيات الإسلامية منذ سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت بعض التنظيمات قدرة على الانتقال من النشاط الدعوي والاجتماعي إلى التعبئة السياسية، مستفيدة من شبكات المساجد والمدارس والجمعيات والروابط المهنية.
وفي حديث خاص لـ"عين الساحل"، يقول الدكتور محمد الخير جيرو، نائب رئيس جامعة الوفاق الدولية في النيجر، إن عدداً من الزعماء الدينيين في المنطقة اتجهوا إلى المشاركة السياسية انطلاقاً من اعتقادهم بقدرة رجال الدين على قيادة الإصلاح من خلال تولي المناصب العامة.
ويوضح أن بعضهم انتقل من الدعوة إلى تأسيس أحزاب وخوض الانتخابات، مستنداً إلى مرجعيات دينية في برامجه وخطابه، بينما استخدم سياسيون آخرون مكانة الأئمة والمدارس القرآنية والمساجد لتعزيز حضورهم الانتخابي، حتى من دون انتمائهم إلى حركات إسلامية منظمة.
ويشير جيرو إلى أن الوعود بتنظيم المؤسسات الدينية أو تمويلها من الموازنات العامة أصبحت جزءاً من خطاب بعض المرشحين، ما يطرح تساؤلات بشأن الفصل بين الدعوة الدينية والمنافسة السياسية، ومدى خضوع المؤسسات الدينية لقواعد الإدارة والمساءلة.
السودان.. من الانقلاب إلى سقوط المشروع الحاكم
تمثل التجربة السودانية أبرز نماذج انتقال الإسلام السياسي المنظم من المعارضة والعمل الحزبي إلى السيطرة على مؤسسات الحكم.
ففي 30 يونيو 1989، أطاح انقلاب عسكري بقيادة عمر البشير بالحكومة المنتخبة برئاسة الصادق المهدي، بدعم من الجبهة الإسلامية القومية التي قادها حسن الترابي. وأتاح التحالف بين العسكريين والإسلاميين إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والتشريعات، في ظل تقييد الحريات العامة وإقصاء قوى المعارضة.
لكن تجربة الحكم كشفت مبكراً عن صراع داخل التحالف نفسه. ففي ديسمبر 1999، انفجر الخلاف بين البشير والترابي حول توزيع السلطة، وانتهى بحل البرلمان الذي كان يرأسه الترابي وإعلان حالة الطوارئ، قبل أن يؤسس الأخير حزب المؤتمر الشعبي عام 2000، في مواجهة حزب المؤتمر الوطني الحاكم.
وأظهرت هذه المفاصلة أن وحدة المرجعية الإسلامية لم تمنع الصراع على السلطة والمصالح داخل النظام، وأن التحالف بين التنظيم السياسي والمؤسسة العسكرية لم يكن ضمانة لاستمرار وحدة الحركة الإسلامية.
واستمر البشير في الحكم حتى أطاحت به انتفاضة شعبية في أبريل 2019، بعد ثلاثة عقود شهدت حروباً داخلية وأزمات اقتصادية وسياسية عميقة.
وفي تصريح خاص لـ"عين الساحل"، يعزو المؤرخ البروفيسور حسن مكي جانباً من تراجع تجربة الإسلاميين في السودان إلى الفساد والانفراد بالسلطة والدخول في مغامرات خارجية، وما ترتب على ذلك من خسارة قطاعات من قواعدهم الاجتماعية والسياسية.
ولم يؤد سقوط البشير إلى استقرار السودان؛ إذ تعثرت المرحلة الانتقالية، ثم شهدت البلاد انقلاب أكتوبر 2021، قبل اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. غير أن هذه التطورات اللاحقة لا يمكن اختزال أسبابها في تجربة الإسلاميين وحدها، وإن كانت مؤسسات الحكم التي تشكلت خلال عهد البشير جزءاً من الخلفية التاريخية للأزمة.
وتبرز التجربة السودانية حدود تحويل المرجعية الدينية إلى مشروع حكم يحتكر مؤسسات الدولة، وما يترتب على اندماج التنظيم السياسي بالأجهزة الأمنية والعسكرية من صعوبات عند الانتقال إلى نظام تعددي.
موريتانيا.. الإسلاميون داخل صناديق الاقتراع
على خلاف السودان، اختارت الحركة الإسلامية المنظمة في موريتانيا مسار المشاركة الحزبية والانتخابية، بعد عقود من النشاط الدعوي والاجتماعي والعمل السياسي الذي تعرض في بعض مراحله للمنع والملاحقة.
ومع التحولات التي أعقبت التغيير العسكري عام 2005، توسعت فرص المشاركة السياسية، قبل الترخيص لحزب "التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" المعروف باسم "تواصل" عام 2007.
ويطرح الحزب مشروعاً إصلاحياً يستند إلى المرجعية الإسلامية، ويتبنى ما يسميه "مأسسة الشورى"، مع المشاركة في المؤسسات المنتخبة وبناء تحالفات مع قوى سياسية مختلفة.
وسجل الحزب حضوراً برلمانياً لافتاً بحصوله على 16 مقعداً من أصل 147 في انتخابات 2013، ثم نال 11 مقعداً من أصل 176 في انتخابات 2023، ليحافظ على موقعه بين أبرز قوى المعارضة، وفق بيانات الاتحاد البرلماني الدولي.
وتكشف هذه الأرقام قدرة الإسلاميين على الاحتفاظ بتمثيل انتخابي، لكنها تعكس أيضاً محدودية قدرتهم على الوصول إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، في ظل هيمنة القوى المرتبطة بالسلطة على المؤسسات السياسية.
وفرض العمل البرلماني على "تواصل" التوفيق بين المرجعية الدينية ومتطلبات المنافسة الحزبية، بما فيها التحالف مع أحزاب غير إسلامية، والتفاوض بشأن البرامج الاقتصادية والاجتماعية والحريات العامة.
وتختلف هذه التجربة عن النموذج السوداني في أن التنظيم الإسلامي يمارس نفوذه ضمن المؤسسات السياسية القائمة، لا من خلال السيطرة عليها بانقلاب عسكري. كما أن وجوده في المعارضة يجعله خاضعاً لاختبار الناخبين وموازين التحالفات، بدلاً من امتلاك أدوات الدولة لفرض مشروعه السياسي.
مالي.. الإمام الذي تحول إلى معارض
في مالي، برز مسار مختلف، يقوم على قدرة شخصية دينية على تحويل نفوذها الاجتماعي إلى قوة احتجاجية وسياسية، من دون قيادة حزب إسلامي تقليدي.
فقد تولى الداعية محمود ديكو رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى بين عامي 2008 و2019، واكتسب خلال تلك الفترة مكانة مؤثرة في النقاشات المتعلقة بالتشريعات والإصلاحات الاجتماعية وعلاقة الدولة بالمؤسسات الدينية.
وبعد مغادرته رئاسة المجلس، أسس "تنسيقية الحركات والجمعيات والمتعاطفين مع الإمام محمود ديكو"، التي شكلت إحدى أدوات تعبئته الشعبية.
وفي عام 2020، أصبح ديكو المرجعية المعنوية لحركة "5 يونيو – تجمع القوى الوطنية" (M5-RFP)، وهي تحالف ضم أحزاباً وشخصيات مدنية ومعارضين للرئيس إبراهيم بوبكر كيتا. وأسهمت احتجاجاته في تعميق أزمة النظام، قبل أن يطيح الجيش بكيتا في أغسطس من العام نفسه.
لكن علاقة ديكو بالسلطات العسكرية تدهورت لاحقاً، خصوصاً مع تمديد المرحلة الانتقالية وتأجيل العودة إلى الحكم الدستوري. وبعد انتقاله إلى الجزائر في ديسمبر 2023، واصل معارضته للسلطة القائمة في باماكو.
وفي ديسمبر 2025، تولى قيادة "ائتلاف قوى الجمهورية"، الذي ضم معارضين سياسيين ومدنيين، ودعا إلى استعادة الحريات والعودة إلى النظام الدستوري وإطلاق حوار وطني.
وتكشف تجربة ديكو أن المرجعية الدينية قد تتحول إلى قوة سياسية قادرة على جمع تيارات مختلفة، لكن ذلك لا يجعل التحالف الذي تقوده تنظيماً إسلامياً بالضرورة.
كما تطرح تجربته سؤالاً بشأن قدرة الزعامة الدينية على تحويل التعبئة الاحتجاجية إلى مشروع سياسي مستدام، خصوصاً في بلد يواجه تمرداً مسلحاً وتراجعاً في المجال المدني وتنافساً بين السلطات العسكرية والقوى المعارضة.
السنغال.. نفوذ ديني من خارج الحكم
تقدم السنغال نموذجاً مغايراً، إذ حافظت الطرق الصوفية، خصوصاً المريدية والتيجانية، على تأثير واسع في المجتمع والسياسة، رغم التزام الدولة بالعلمانية منذ الاستقلال.
وقد أقامت القيادات السياسية المتعاقبة علاقات وثيقة مع الزعامات الصوفية، مستفيدة من شبكاتها الاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على التواصل مع قطاعات واسعة من الناخبين.
غير أن هذا النفوذ لا يعني أن الطرق الصوفية تمثل أحزاباً إسلامية أو تسعى بالضرورة إلى إقامة نظام حكم ديني. فقد ارتبط دورها أساساً بالوساطة الاجتماعية، والتأثير في المجال العام، والتفاوض مع السلطات بشأن مصالح مجتمعاتها ومؤسساتها.
وأظهرت دراسات عن السلوك الانتخابي السنغالي أن الانتماء إلى طريقة صوفية لا يفرض تلقائياً التصويت لمرشح تدعمه قياداتها، وأن الناخبين يستطيعون الفصل بين ولائهم الديني واختياراتهم السياسية.
وجاءت الانتخابات الرئاسية في مارس 2024، التي فاز فيها باسيرو ديوماي فاي بنسبة 54.28 في المئة من الأصوات، لتؤكد أهمية التحولات السياسية والاجتماعية ومطالب الإصلاح في المنافسة الانتخابية، من دون أن يعني ذلك اختفاء النفوذ الديني التقليدي.
واستمرت علاقة مؤسسات الحكم بالطرق الصوفية، باعتبارها قنوات للحوار والوساطة والحفاظ على التوازنات الاجتماعية.
ويبرز النموذج السنغالي فارقاً أساسياً بين النفوذ السياسي للمؤسسات الدينية وبين الإسلام السياسي الحزبي؛ فالأول قد يكتفي بالتأثير في القرار من خارج السلطة، بينما يسعى الثاني إلى ترجمة مرجعيته الفكرية إلى برنامج سياسي ومؤسساتي مباشر.
أربعة مسارات.. وسؤال السلطة
تكشف التجارب الأربع أن العلاقة بين الدين والسياسة في الساحل والسودان لا يمكن اختزالها في نموذج واحد.
ففي السودان، أدى التحالف بين الإسلاميين والعسكريين إلى تجربة حكم طويلة انتهت بسقوط النظام. وفي موريتانيا، أصبحت المشاركة الانتخابية وسيلة للتأثير السياسي، مع بقاء الإسلاميين خارج الحكم. وفي مالي، تحول النفوذ الديني إلى قوة احتجاجية ومعارضة، بينما حافظت الطرق الصوفية في السنغال على دورها بوصفها مؤسسات اجتماعية مؤثرة في السياسة.
ولا يتوقف الاختلاف عند وسائل الوصول إلى السلطة، بل يشمل طبيعة المشروع السياسي نفسه، وحدود استقلال المؤسسات الدينية، وقبول التعددية، والعلاقة مع الجيش وأجهزة الدولة.
وتشير هذه النماذج إلى أن الحضور الديني في المجال العام لا يقود بالضرورة إلى احتكار السلطة أو رفض الديمقراطية، مثلما أن رفع الشعارات الإسلامية لا يضمن نجاح التجربة السياسية أو قبولها اجتماعياً.
وتبقى المسألة الأساسية في قدرة الحركات والمرجعيات الدينية على الفصل بين شرعيتها الروحية ومصالحها السياسية، ومدى التزامها بقواعد المشاركة والمساءلة وحقوق المواطنين.
فالمسافة بين المنبر ومقعد الحكم لا تحددها المرجعية الدينية وحدها، بل طبيعة الدولة التي تسعى هذه الحركات إلى التأثير فيها، والوسائل التي تختارها للوصول إلى القرار، والحدود التي تقبلها لسلطتها عندما تصل إليه.
