تقارير

السجن والاختفاء.. كلفة الصحافة في مالي والنيجر

خرج الصحفي النيجري موسى كاكا من مقر عمله في نيامي مساء 31 أغسطس 2026 متجها إلى منزله، لكنه لم يصل. اختفت معه السيارة التي كان يقودها، وتعذر الاتصال بهاتفيه. وبعد عشرة أيام، كانت عائلته وزملاؤه لا يزالون بلا معلومة عن مكانه، فيما طالب محاميه والهيئات الصحفية والحقوقية السلطات بإجراء تحقيق عاجل وكشف مصيره.

وفي باماكو، يقضي الصحفي المالي شاهانا تاكيو عقوبة بالسجن لأنه انتقد استخدام قانون الجرائم الإلكترونية ضد صحفي آخر. اعتقل في 8 يونيو، ثم حكمت عليه المحكمة الوطنية لمكافحة الجرائم الإلكترونية في 3 أغسطس بالسجن سنة، نصفها نافذ والنصف الآخر مع وقف التنفيذ، وغرامة قدرها 500 ألف فرنك أفريقي. وبحسب أحدث المعلومات المتاحة، لم يستأنف الحكم، ويُنتظر انتهاء الجزء النافذ في 8 ديسمبر ما لم يصدر عفو قبله.

لا تتطابق الحالتان قانونيا. ففي مالي يوجد اعتقال معلن واتهام ومحاكمة وحكم، أما في النيجر فلا توجد، حتى 13 سبتمبر، معلومات علنية تثبت أن جهة حكومية تحتجز كاكا أو تحدد من أخفاه. لكنهما تكشفان مسارين يضغطان على الصحافة في دولتي حرب: استخدام نصوص واسعة لمعاقبة الكلام المنشور، وغياب المعلومات عن مصير صحفي بارز في ظرف أمني شديد الحساسية.

مالي.. محاكمة انتقاد المحاكمة

يرأس شاهانا تاكيو تحرير صحيفة «22 سبتمبر» نصف الأسبوعية، كما يُعد من الوجوه المعروفة في الوسط الصحفي المالي. بدأت قضيته بتصريحات أدلى بها خلال المنتدى الأفريقي للإعلام في باماكو، الذي انعقد من 3 إلى 6 يونيو 2026. انتقد تاكيو اللجوء إلى قانون الجرائم الإلكترونية في محاكمة الصحفيين، بدلا من قانون الصحافة والجرائم الصحفية الذي يوفر ضمانات مختلفة للعمل الإعلامي.

كان المثال الذي استند إليه قضية يوسف سيسوكو، مدير صحيفة «لالترنانس». اعتقلت السلطات سيسوكو في 5 فبراير بعد نشره مقالا يناقش تصريحات رئيس النيجر عبد الرحمن تياني بشأن هجوم على مطار نيامي، ويطعن في اتهاماته لفرنسا وبنين وساحل العاج بدعم منفذي الهجوم. ووجهت إليه اتهامات شملت «نشر معلومات كاذبة» و«إهانة رئيس دولة أجنبية»، ثم حكمت عليه محكمة الجرائم الإلكترونية في 23 مارس بالسجن سنتين وغرامة قدرها مليون فرنك أفريقي.

بعد ثلاثة أيام من اختتام المنتدى، استدعى الادعاء تاكيو ووجه إليه تهمة «المساس بمصداقية الدولة عبر المؤسسة القضائية»، ثم أودع الحبس الاحتياطي. ورفضت النيابة طلبا بالإفراج المؤقت تقدم به محاموه، رغم قولهم إنه مصاب بالسكري وأمراض في القلب والأوعية الدموية ويحتاج إلى متابعة طبية كانت مقررة خارج البلاد.

تكتسب القضية دلالة إضافية لأن الفعل المعاقب عليه كان انتقاد استخدام القانون نفسه. فلم تتصل تصريحات تاكيو بكشف عسكري أو نشر وثائق سرية، بل باعتراض مهني على المسار القانوني لمحاكمة زميل. وطالبت نقابات ومنظمات صحفية بإطلاقه، بينما لم تنشر السلطات، في المصادر المتاحة، ردا تفصيليا يشرح لماذا لا ينبغي اعتبار كلامه مناقشة مشروعة لأداء القضاء.

القانون الإلكتروني بدلا من قانون الصحافة

أقرت مالي قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية عام 2019. وتقول هيومن رايتس ووتش ولجنة حماية الصحفيين إن بعض مواده تستخدم عبارات واسعة في تجريم «التهديد» و«الإهانة» والمعلومات المنشورة عبر الوسائط الرقمية، وقد تصل العقوبة بموجب بعض أحكامه إلى عشر سنوات. ويتيح نشر مادة صحفية على موقع أو منصة اجتماعية نقلها من نطاق قانون الصحافة إلى قانون أشد عقوبة.

ظهر ذلك أيضا في اعتقال عبد الرحمن كيتا، مدير صحيفة «لو تيمان»، في 9 يونيو، بعد يوم واحد من اعتقال تاكيو. وكان كيتا قد قال في برنامج تلفزيوني إن تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين» يسيطر على كيدال في شمال مالي. واتهمته السلطات بـ«ارتكاب مخالفة ذات طابع جهوي تمس الوحدة الوطنية ومصداقية الدولة» و«نشر معلومات كاذبة ومضللة»، وحددت محاكمته مبدئيا في 17 أغسطس. ولم يتسن العثور في المصادر المفتوحة التي راجعتها «عين الساحل» على نتيجة موثوقة ومحدثة للمحاكمة أو تأكيد الإفراج عنه حتى 13 سبتمبر.

ولا يعني ذلك أن الصحفيين خارج نطاق المساءلة عن الأخطاء أو الاتهامات غير المسندة، لكنه يوضح أثر اختيار القانون المستخدم. فحين تتحول مناقشة تطورات الحرب أو نقد القضاء إلى جريمة تمس الدولة والوحدة الوطنية، تصبح الحدود بين الخطأ المهني والجريمة الجنائية غير واضحة، ويواجه الصحفي عقوبة لا تقتصر على التصحيح أو حق الرد.

النيجر.. صحفي يخرج ولا يعود

موسى كاكا هو المدير العام لمجموعة «إذاعة وتلفزيون سارونيا»، ومراسل سابق لإذاعة فرنسا الدولية. غادر مقر مؤسسته في نيامي قرابة السابعة مساء 31 أغسطس، بعد يومين من تمرد عسكري شهدته العاصمة. وقال صحفي في مؤسسته للجنة حماية الصحفيين إن سيارته اختفت أيضا، وإنه لم يعد ممكنا الوصول إليه عبر هاتفيه. وقدمت أسرته إفادة إلى الشرطة القضائية لفتح تحقيق.

وفي 9 سبتمبر، قال محاميه بودال إفريد مولول إنهم لم يعثروا عليه وإن الإجراءات القانونية للبحث عنه مستمرة. وفي اليوم نفسه، أعلنت أسرته عبر شقيقه الأكبر أنها لا تعرف من أخذه ولا أين يوجد، ووصفت انقطاع المعلومات بأنه كامل. ثم قالت مؤسسة الإعلام لغرب أفريقيا في 10 سبتمبر إنه ما زال مفقودا، وهي أحدث إفادة علنية موثقة أمكن الوصول إليها قبل إعداد هذا التقرير.

استخدمت هيومن رايتس ووتش عبارة «يُخشى أن يكون قد اختفى قسرا»، لكنها لم تقل إن مسؤولية السلطات ثبتت. ووفقا للتعريف الحقوقي الدولي، لا يصبح الاختفاء «قسريا» إلا إذا وقع الحرمان من الحرية على يد موظفي الدولة أو أشخاص يعملون بإذنها أو دعمها أو موافقتها، ثم أعقبه إنكار الاحتجاز أو إخفاء المصير أو المكان. وما هو ثابت في حالة كاكا حتى الآن هو الاختفاء وانعدام المعلومات؛ أما الجهة المسؤولة فتحتاج إلى تحقيق وأدلة.

وقالت لجنة حماية الصحفيين إنها طلبت تعليقا من وزارة الاتصال والمتحدث باسم الحكومة من دون تلقي رد. كما طالبت مراسلون بلا حدود ومنظمة مناهضة التعذيب والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان السلطات بفتح تحقيق، وإبلاغ الأسرة بما تصل إليه، وضمان سلامة الصحفي.

ستة صحفيين بسبب دعوة صحفية

لم تكن هذه المواجهة الأولى بين كاكا والسلطات. ففي أكتوبر 2025، اعتقل مع خمسة صحفيين آخرين بعد تداول دعوة إلى مؤتمر صحفي لـ«صندوق التضامن من أجل حماية الوطن»، وهو صندوق أنشأته السلطة العسكرية لجمع مساهمات لدعم العمليات الأمنية والسيادة الغذائية والاقتصادية.

شملت القضية عبد العزيز إيدي، وإبرو شايبو، وسليمان براه، ويوسف سيريبا، وعمر كاني. واتهم الصحفيون بـ«التواطؤ في نشر وثيقة من شأنها الإخلال بالنظام العام» بموجب المادة 31 من قانون الجرائم الإلكترونية. وأطلقت السلطات كاكا وإيدي وبراه مؤقتا في نوفمبر 2025، بينما بقي سيريبا وكاني محتجزين حتى 15 يوليو 2026، وظل شايبو في السجن قرابة عشرة أشهر إلى أن أفرج عنه في 28 أغسطس، قبل اختفاء كاكا بثلاثة أيام.

وكان قانون الجرائم الإلكترونية النيجري قد عُدّل في يونيو 2024، فأعيدت عقوبات السجن على التشهير والإهانة عندما تقع عبر الإنترنت. وتقول مراسلون بلا حدود إن المادة المستخدمة ضد الصحفيين تفرض عقوبة تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وإن صياغة «وثيقة من شأنها الإخلال بالنظام العام» واسعة إلى حد يسمح باستخدامها في ملاحقة تداول دعوة صحفية لم تكن سرية.

وتشير مؤسسة الإعلام لغرب أفريقيا إلى تعرض أكثر من اثني عشر صحفيا للاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف بين مايو 2025 وأغسطس 2026. وهذه حصيلة صادرة عن مؤسسة رقابية وليست سجلا قضائيا حكوميا، لكنها تتسق مع الحالات التي وثقتها هيومن رايتس ووتش ولجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود.

عندما تغيب الصحافة عن مناطق الحرب

تأتي الملاحقات في وقت تتوسع فيه الحرب وتتقلص القدرة على التحقق منها. ففي مالي، ارتبطت إحدى القضايا بوصف السيطرة على كيدال، وهي واقعة عسكرية وسياسية مركزية. وفي النيجر، اختفى كاكا عقب تمرد في العاصمة، بينما كانت البلاد تواجه أيضا هجمات متصاعدة في تيلابيري ومناطق أخرى.

ويؤثر ذلك في نوع المعلومات التي تصل إلى الجمهور. فالصحفي المحلي هو القادر غالبا على الاتصال بسكان القرى والمستشفيات والسلطات المحلية، وفهم أسماء المواقع والمسافات والجهات المسلحة. وعندما يخشى السجن بسبب توصيف السيطرة أو نشر تصريح، يميل إلى حذف المعلومة أو نقل البيان الرسمي وحده. وحين يختفي مدير مؤسسة إعلامية بلا تفسير، يمتد الخوف إلى المحررين والمصادر والعائلات التي قد تتوقف عن الحديث.

وضعت مراسلون بلا حدود النيجر في المرتبة 120 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026، بعد تراجعها 37 مرتبة، ومالي في المرتبة 121. والمؤشر تقدير مقارن تصدره المنظمة ولا يمثل حكما قضائيا، لكنه يعكس، مع الوقائع الفردية، تقاربا في أدوات التضييق داخل الدولتين: قوانين الأمن والفضاء الإلكتروني، الحبس الاحتياطي الطويل، تعليق وسائل الإعلام، واتهامات تمس «مصداقية الدولة» أو «النظام العام».

مشاركة التقرير
الموضوعاتماليالنيجرسجن

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي