الجزائر على تخوم ليبيا.. صراع الأدوار يشعل الساحل
عين الساحل - المحرر السياسي
نقل قرار الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إرسال وحدات عسكرية إلى النيجر التنافس على النفوذ في الساحل إلى مرحلة جديدة، مع بروز قاعدة ماداما، القريبة من الحدود الليبية، موقعا للانتشار المرتقب. فالقاعدة التي تحدثت تقارير عن اهتمام قوات خليفة حفتر باستخدامها، ثم عن مساع مماثلة لحكومة طرابلس، قد تستقبل الآن قوة جزائرية.
وأعلن تبون، الاثنين 26 أكتوبر، إرسال وحدات من الجيش لحماية “المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية النيجرية”، بناء على طلب نيامي وبعد موافقة غرفتي البرلمان في اليوم السابق. وذكرت رويترز أن الانتشار المرتقب يستهدف ماداما، لكن بيان الرئاسة لم يحدد عدد القوات أو موعد إرسالها، ولم يتأكد وصول الوحدات البرية إلى القاعدة.
وتقع ماداما على مسافة تقارب مئة كيلومتر من الحدود الليبية. وقد استخدمتها فرنسا نقطة ارتكاز لمراقبة الممرات الصحراوية واعتراض حركة المقاتلين والأسلحة والإمدادات، قبل سحب قوتها منها عام 2019 مع بقاء الحامية النيجرية. ويمنح موقعها أي قوة تتمركز فيها قدرة على مراقبة مسالك تتصل بجنوب ليبيا وشمال مالي.
وتعود محاولات الاستفادة الليبية من القاعدة إلى ما قبل القرار الجزائري. ففي 3 سبتمبر 2024، أفادت وكالة “نوفا” الإيطالية بأن اتصالات صدام حفتر بالسلطات النيجرية شملت مشروع تعاون أمني وتجاري، مع احتمال إقامة حضور عسكري في ماداما واستخدامها للإسناد اللوجستي. ولم يثبت تنفيذ هذه الترتيبات.
وظهر مسار ليبي آخر في تقرير نشرته الوكالة في 16 أكتوبر الجاري. فقد نقلت عن مصادر ليبية أن حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس تدرس استخدام ماداما نقطة إسناد لقوات معارضة لحفتر في فزان، في سياق اتصالات مع القائد التباوي محمد وردكو. وبقيت موافقة نيامي والتقدم الفعلي لهذه المباحثات غير محسومين.
تضع هذه المعطيات ماداما في صلب حسابات متشابكة: للجزائر مهمة معلنة لحماية مصالحها في النيجر، بينما تنظر أطراف ليبية إلى الحدود الجنوبية باعتبارها مجالا للأمن والإسناد والتأثير
وتوجد، في المقابل، قناة تعاون رسمية بين طرابلس ونيامي؛ إذ وقعت حكومة الوحدة والنيجر مذكرة تفاهم عسكرية في 16 يونيو الماضي، شملت مباحثاتها أمن الحدود والهجرة غير النظامية والتنسيق المشترك. ولا يثبت هذا الاتفاق تنفيذ الترتيبات التي تحدثت عنها “نوفا” بشأن ماداما.
وحتى إعداد هذا التقرير في 27 أكتوبر، لم يتسن رصد موقف معلن من حكومة الوحدة أو القيادة العسكرية في الشرق يؤيد القرار الجزائري أو يعترض عليه. ونشرت وكالة الأنباء الليبية “وال” خبر قرار تبون مساء 26 أكتوبر، نقلا عن الإعلان الجزائري، دون أن تورد تعليقا سياسيا ليبيا عليه.
وتضع هذه المعطيات ماداما في صلب حسابات متشابكة: للجزائر مهمة معلنة لحماية مصالحها في النيجر، بينما تنظر أطراف ليبية إلى الحدود الجنوبية باعتبارها مجالا للأمن والإسناد والتأثير. وقد يفرض التمركز الجزائري، إذا نفذ، حسابات إضافية على تحركات طرابلس وبنغازي واتصالاتهما بنيامي.
وتستند المهمة الجزائرية إلى مصالح طاقوية قائمة، لكنها تحتاج إلى توصيف دقيق. فقد أعلنت سوناطراك في 13 أغسطس إطلاق مرحلة لحفر أربعة آبار استكشافية في كفرا، شمال النيجر. وأكد وزير النفط النيجري حمادو تيني في 9 سبتمبر أن المشروع ما يزال في مرحلة الاستكشاف والتقييم، وأن الإنتاج يتوقف على نتائج الحفر والجدوى والبنية التحتية والتمويل.
ويعني ذلك أن الحماية تتصل حاليا، في جانب منها، بأطقم الاستكشاف ومعداتها واستثماراتها المستقبلية. أما العلاقة بين التمركز في ماداما ومواقع كفرا وطرق الوصول إليها، فلم تعرض لها السلطات خريطة انتشار تفصيلية. ومن ثم تبقى الوظائف الميدانية للقوة مرتبطة بحجمها وتجهيزها وتفويضها.
وترى “عين الساحل” أن موقع ماداما قد يمنح المهمة بعدا يتجاوز الحراسة المباشرة للاستثمارات، من مراقبة الحركة عبر جنوب ليبيا إلى التأثير في الممرات الحدودية. وهذه قراءة لأهمية الموقع، فيما يظل الهدف الذي أعلنته الرئاسة الجزائرية حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة.
التقارب مع نيامي واستئناف العلاقات مع باماكو ضمن محاولة جزائرية لتثبيت تأثيرها في الساحل بعدما توسعت خيارات حكومات المنطقة وشراكاتها
وتستحضر التطورات خلفية أقدم للتنافس الجزائري الليبي. فبحسب معلومات خاصة لـ“عين الساحل”، احتجت الجزائر خلال حكم معمر القذافي على افتتاح قنصلية ليبية في كيدال، شمال مالي، وطالبت بإغلاقها، معتبرة المنطقة امتدادا لأمنها. كما واجهت محاولات القذافي الوساطة بين الأزواديين وحكومة الرئيس أمادو توماني توري تحفظا جزائريا على مشاركة طرف آخر في الملف.
وتقرأ “عين الساحل” التقارب مع نيامي واستئناف العلاقات مع باماكو ضمن محاولة جزائرية لتثبيت تأثيرها في الساحل بعدما توسعت خيارات حكومات المنطقة وشراكاتها. وكانت الجزائر ومالي قد أعلنتا في يوليو الماضي عودة السفيرين وفتح المجال الجوي، بعد أزمة أعقبت إسقاط مسيرة مالية عام 2025.
ويبقى ملف أزواد مؤثرا في هذه العلاقة، بحكم الدور الجزائري في وساطة اتفاق السلام لعام 2015، الذي أنهته باماكو في يناير 2024. فعودة العلاقات بين العاصمتين تفتح قناة للتفاهم، بينما تبقى معالجة الصراع في شمال مالي وحدود الدور الجزائري فيه اختبارا مستقلا.
وتزيد روسيا المشهد تعقيدا، بحضورها الأمني في دول الساحل وصلاتها بقوات شرق ليبيا، واستخدام قواعد ليبية لإسناد عملياتها الأفريقية. وقد يتيح ذلك تنسيقا مع الجزائر في بعض الملفات، لكنه لا يحسم توزيع الأدوار أو إدارة العلاقات مع القوى المحلية. وتضيف الشراكات التركية، ومنها التعاون الدفاعي والاستخباراتي مع النيجر، خيارات أخرى أمام نيامي.
ويحضر المغرب بمبادرته لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، بينما تمنح حدود موريتانيا مع مالي ومنافذها الأطلسية نواكشوط وزنا في ترتيبات العبور والأمن. وتوسع هذه المسارات هامش المناورة أمام الدول الحبيسة، وتجعل النفوذ موزعا بين شركاء تتقاطع مصالحهم وتتنافس أدوارهم.
وتزامن القرار الجزائري أيضا مع تصعيد بين النيجر وتشاد، بعدما اتهمت نيامي جارتها بتنفيذ ضربة بمسيرة بدعم فرنسي في منطقة “إيمي لولو” يوم 24 أكتوبر، قالت إنها قتلت مدنيين اثنين. ولم تتأكد المسؤولية بصورة مستقلة، لكن الاتهام يزيد التوتر في شمال النيجر بالتوازي مع الترتيبات العسكرية الجديدة.
وفي قراءة “عين الساحل”، تتقدم ماداما إلى واجهة ساحة شديدة التوتر والاستقطاب، تتحرك فيها دول الجوار وقوى خارجية وتتداخل فيها حماية الحدود والطاقة ودعم الحلفاء والتنافس على النفوذ. وسيتحدد أثر القرار الجزائري بحجم الانتشار ومهامه وعلاقته بالقوى المحيطة، ومدى تأثيره في التوازنات الليبية على الجانب الآخر من الحدود.
