جنوب ليبيا.. طرق تمد حرب السودان وسجون تبتز العابرين
في الكفرة، جنوب شرقي ليبيا، انتهت رحلة أكثر من مئتي مهاجر داخل سجن سري، في زنازين حفرت تحت الأرض بعمق يقارب ثلاثة أمتار. ونقلت رويترز في 18 يناير 2026 عن مصدرين أمنيين أن السلطات حررت المحتجزين، وأن بعضهم أمضى هناك ما يصل إلى عامين. وكان بينهم نساء وأطفال، ومعظمهم من الصومال وإريتريا. وبحسب المصدرين، كان السجن يديره مهرب ليبي.
على طرق الجنوب نفسها، تتحرك شبكات أخرى تنقل الوقود والسلاح والمقاتلين نحو السودان. وتكشف تقارير نشرت خلال 2025 و2026 كيف تتداخل السيطرة العسكرية على المعابر مع تجارة الحماية والتهريب، بينما يبحث الفارون من الحروب عن وسائل للعبور. وتختلف الجهات والوظائف بين هذه المسارات؛ فلا تدل مشاركة الطريق وحدها على وجود شبكة واحدة تديرها جميعا.
من يسيطر على المعابر؟
تمتد خريطة العبور بين الكفرة والمسارات المتصلة بالسودان شرقا، وفزان وطرق النيجر وتشاد والجزائر غربا. وفي تقرير عن شبكات التهريب خلال 2024، نشر في أكتوبر 2025، توثق المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود اعتماد قوات شرق ليبيا في فزان على تشكيلات محلية وأخرى وافدة، مع توسيع دور الوحدات المرتبطة مباشرة بقيادتها.
ويرصد التقرير انتشار دوريات منذ أغسطس 2023 في أقصى جنوب فزان، وصولا إلى ممر سلفادور ومعبر تومو المؤدي إلى النيجر. وشمل التوسع العسكري مناطق كانت إدارتها تعتمد على تفاهمات مع قوى محلية، بينها تشكيلات من التبو.
لكن السيطرة لم تكن مستقرة داخل هذا المعسكر نفسه. ففي فبراير 2025، أدى قرار حل اللواء "128" إلى اشتباكات في القطرون، وتعطلت حركة تهريب المخدرات والأشخاص مؤقتا. وتعزو المبادرة ذلك إلى انعدام الأمن ومشاركة بعض أطراف المواجهة في هذه الأنشطة. وفي الكفرة، رصد التقرير استمرار نفوذ قوة "سبل السلام" خلال 2024، مع تدخل وحدات أكبر في عمليات محددة.
وتشرح دراسة للمبادرة منشورة في 6 مارس 2026 آلية الربح على الحدود المتصلة بحرب السودان: رسوم عند الحواجز، وأجور للمرافقة المسلحة، ومدفوعات للسماح بالمرور. ويتوزع هذا النشاط بين ناقلين ومهربين ووسطاء مسلحين، بعضهم مرتبط بجهات رسمية.
الوقود والسلاح إلى السودان
تربط الدراسة بين تعطل خطوط الإمداد وظهور طرق بديلة. ففي 2024، نشأ ممر يصل جنوب غربي ليبيا بشمال تشاد ودارفور، بعدما أصبحت طرق شرقي تشاد أكثر عرضة للاعتراض. كما ترصد مسارا يربط كالايت وفايا في تشاد بقاعدة معطن السارة الليبية، الواقعة على بعد نحو 110 كيلومترات شمال الحدود التشادية.
وبحسب المبادرة، استخدمت معطن السارة نقطة لتجميع شحنات سلاح متجهة إلى قوات الدعم السريع. وتشير إلى تقارير عن إعادة تأهيل القاعدة في 2024 على أيدي قوات شرق ليبيا بدعم خارجي، بعد سنوات من التعطل.
وفي أبريل 2026، نقلت أسوشيتد برس عن تقرير لخبراء الأمم المتحدة، يغطي الفترة من أكتوبر 2024 إلى فبراير 2026، أن قوة "سبل السلام" المرتبطة بقوات شرق ليبيا سهلت انتقال مرتزقة كولومبيين وأسلحة ووقود إلى الدعم السريع، باستخدام مرافق وطرق في منطقة الكفرة. وأوردت الوكالة نفي قوات شرق ليبيا اتهامات الجيش السوداني لها بمساندة هجمات الدعم السريع.
ويمتد مصدر الوقود إلى خارج الجنوب. ففي تحقيق "عملية من الداخل"، المنشور في نوفمبر 2025، قالت منظمة "ذا سنتري" إن شبكات في الزاوية ومصراتة توجه كميات متزايدة من الوقود إلى مناطق خاضعة لقوات شرق ليبيا، ومنها إلى تشاد والنيجر والسودان.
وقدرت المنظمة كلفة تهريب الوقود بنحو 20 مليار دولار خلال 2022–2024، أي قرابة 6.7 مليارات سنويا. وهذه تقديرات للخسارة على مستوى ليبيا كلها، وليست لحركة التهريب في الجنوب وحده. وربط التحقيق تحويل الوقود المدعوم إلى السوق غير المشروعة بنقص الإمدادات للمستهلكين واستنزاف النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الغذاء والدواء، وبضغوط إضافية على الأسعار.
العبور لا يضمن النجاة
تغير الطرق الذي يخدم الإمداد العسكري يغير أيضا رحلة الباحثين عن الأمان. ووفق تقرير للمبادرة العالمية نشر في 20 مارس 2026، كان أطفال سودانيون غير مصحوبين بذويهم يسلكون طريق شمال دارفور نحو المثلث الحدودي بين السودان ومصر وليبيا، قبل أن يؤدي إغلاق هذا المسار فعليا في يونيو 2025 إلى تحويل الحركة غربا عبر تشاد، ثم باتجاه الكفرة.
وتصف الدراسة ترتيبات تدفع فيها أسر أموالا لوسطاء لمرافقة أطفالها إلى مدينة ليبية، لكن مسؤولية المرافق تنتهي عند الوصول. وبعض الأطفال ينتقلون ضمن مجموعات من البالغين لقاء أجور أقل أو دون مقابل. وهذه الترتيبات تختلف عن حالات الخطف والاحتجاز للاستغلال التي توثقها الدراسة، ولا يكفي دفع أجرة للعبور لإثبات وقوع اتجار بالبشر.
وترصد المبادرة عمليات خطف طلبا للفدية في وسط ليبيا وجنوبها الشرقي، ومخاطر تمتد بعد مغادرة مناطق الحدود. وفي المدن، بينها سبها، يبحث أطفال غير مصحوبين بذويهم عن عمل يومي في البناء والورش والخدمة المنزلية، ويتعرض بعضهم للاستغلال أو الإكراه على التسول.
وبحسب العاملين الإنسانيين الذين استندت إليهم الدراسة، يصل بعض هؤلاء وهم يعانون سوء التغذية وآثار العنف، بينما يحول افتقار كثيرين منهم إلى وثائق الهوية دون حصولهم على خدمات أساسية، بينها العلاج والتعليم.
