أخبار

سبها تختنق بأزمة الوقود.. إمدادات تتأخر وشبكات تعبر الحدود نحو الساحل

صهاريج نقل — صورة توضيحية. تصوير: Jason Mitrione / Unsplash.

طرابلس - عين الساحل

في سبها، على بعد نحو 650 كيلومترا جنوب طرابلس، يواجه السكان أزمة وقود خانقة تتجدد مع تأخر الصهاريج واستمرار الطوابير أمام محطات التعبئة. وقد بلغ الانتظار في الجنوب أحيانا أربعة أيام، في صفوف امتدت خمسة كيلومترات، وفق ما أورده موقع "ليبيا هيرالد" في أكتوبر، مستعيدا مشاهد الأزمة منذ الصيف.

وراء هذا الانتظار مواعيد علاج وأعمال تتعطل. ففي شهادة نشرتها صحيفة "فبراير" الليبية في 7 يونيو، قال علي الورفلي، من سكان سبها، إنه يشتري الوقود من السوق السوداء ليضمن نقل والدته إلى طرابلس لإجراء فحوصات الأورام، أو ينتظر أكثر من تسع ساعات في المحطات العامة. وأضاف: "نحن نترك مصالحنا وأرزاقنا، ونعيش على أعصابنا بانتظار شحنات لا تملك موعدا ثابتا للوصول".

وفي أكتوبر، تجدد الخلاف بشأن وصول الإمدادات. وقال رئيس لجنة إعادة تنظيم سبها، اللواء جمال العمامي، إن الجنوب لم يتلق شحنات من مصادر التزويد المعتادة لثلاثة أيام متتالية حتى 9 أكتوبر.

ورد المتحدث باسم شركة البريقة لتسويق النفط، أحمد المسلاتي، بأن الشركة أرسلت نحو 2.6 مليون لتر من البنزين والديزل يومي 10 و11 أكتوبر. وأوضح أن الكميات لم تكن قد وصلت إلى مستودع سبها عند صدور تصريحه، وأن أول شاحنة دخلته أثناء حديثه، بحسب "ليبيا هيرالد".

وتأتي الإمدادات من مصفاة الزاوية ومستودعات طرابلس ومصراتة ومرسى البريقة، عبر طرق طويلة إلى الجنوب. وتقول الشركة إن مسؤوليتها توزيع الوقود، بينما تقع حماية الشاحنات وتأمين وصولها على الجهات الأمنية.

من المستودعات إلى الأسواق الخارجية

ويتزامن هذا التعثر مع خسائر واسعة في منظومة الوقود الليبية. فقد قالت المبعوثة الأممية هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر إن ليبيا استوردت 8.15 مليون طن متري من الوقود بكلفة 8.9 مليارات دولار بين يناير وسبتمبر 2026، وإن ما بين 30 و50 في المئة من الواردات يُقدّر أنه فُقد بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 و4.4 مليارات دولار.

وأوضحت أن ارتفاع الأسعار العالمية، خصوصا الديزل، زاد الحافز لتحويل الوقود المدعوم إلى الخارج. وهذه تقديرات وطنية تشمل التهريب بمختلف مساراته، ولا تحدد حصة الجنوب.

وتشتري الدولة الوقود بالسعر العالمي لتبيعه محليا بأسعار مدعومة. وتحصل الشبكات على جزء من الكميات ثم تعيد بيعها في أسواق أعلى سعرا. وتقول مجموعة الأزمات الدولية، في دراسة صدرت في مارس 2026، إن هذه العائدات تمول شبكات نفوذ ونفقات خارج الموازنة، وتساعد أطرافا في شرق البلاد وغربها على ترسيخ سلطتها.

وأوردت الدراسة وصول شحنات مهربة إلى إيطاليا وألبانيا وتركيا واليونان، مع استخدام النقل بين السفن في المياه الدولية ضمن مسارات إعادة البيع.

وفي تحقيق نشرته منظمة "ذا سنتري" في نوفمبر 2025، اتهمت شبكات مرتبطة بقوى سياسية وعسكرية في الشرق والغرب باستغلال منظومة الدعم. وتتبعت إمدادات تنطلق من الزاوية ومصراتة إلى الجنوب، ثم إلى تشاد والنيجر والسودان، إلى جانب شحنات بحرية نحو أسواق المتوسط.

وقالت المنظمة إن وحدات روسية وقوات "الدعم السريع" السودانية استفادت من تحويل الوقود، وإن موسكو و"الدعم السريع" لم تردا على طلباتها للتعليق.

وفي ردها على التحقيق، قالت المؤسسة الوطنية للنفط إنه لم تُسجل عمليات تهريب من الموانئ النفطية الخاضعة لسلطتها، وإن ميناء بنغازي القديم ميناء تجاري لا تديره المؤسسة أو شركاتها. وأضافت أنها قدمت تقارير للجهات المختصة وتعاونت مع فريق الخبراء الأممي.

وتتغير الممرات البرية بدورها مع إجراءات السيطرة على الحدود. فقد وثق تحقيق لموقع "أفريك XXI"، نشر في مايو 2026، تشديد الرقابة بين سبها والقطرون والحدود التشادية، وقيودا على خروج الوقود فرضتها القوات التابعة لقيادة الجيش في شرق ليبيا. وقال تجار إن ذلك رفع الأسعار في شمال تشاد والنيجر، ودفع بعض المتعاملين إلى البحث عن إمدادات من داخل النيجر.

وتتفاقم الأزمة بأعطال البنية الأساسية وضعف التكرير المحلي. ونقلت رويترز في سبتمبر عن المتحدث باسم البريقة أن تسعة خزانات في طرابلس دُمرت خلال حرب 2014 لم تُصلح بعد. وأوردت أن الإنتاج الفعلي للمصافي يقل كثيرا عن طاقتها التصميمية، ما يزيد الاعتماد على الوقود المستورد.

إجراءات عاجلة ومصفاة تحتاج سنوات

في سبها، أعلنت البلدية إعادة العمل بنظام الرمز الشريطي للتزود بالوقود، لتنظيم التوزيع وتقليل الازدحام. وكان النظام قد أُلغي في سبتمبر بعد اعتراضات على الرسوم والإجراءات واستمرار الطوابير. وشملت الاعتراضات رسوما قدرها عشرون دينارا للتسجيل وعشرة دنانير لاستبدال الرمز المفقود، بحسب "ليبيا هيرالد".

وعلى المستوى الوطني، أعلن وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية، عماد الطرابلسي، في 2 سبتمبر، إغلاق 490 محطة قال إنها استُخدمت في التهريب. وتعهد بحماية نقل الوقود وتوزيعه، لكنه أقر بوجود مشكلات لدى المؤسسة الوطنية للنفط والشركات التابعة للقطاع تسهم في تفاقم الأزمة.

وتتضمن مقترحات الرقابة تركيب أجهزة تتبع على الصهاريج وحساسات في المستودعات، ونشر بيانات شهرية عن الكميات المستوردة والموزعة. وردت هذه التوصيات في تقرير للجنة مشتركة بين ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، نقلت تفاصيله صحيفة "صدى" في يونيو.

أما خارج ليبيا، فدعت مجموعة الأزمات الدولية إلى توسيع صلاحيات العملية البحرية الأوروبية "إيريني" لاعتراض السفن المشتبه بتهريبها الوقود، ضمن تنسيق دولي لإصلاح إدارة المال العام. وطالبت بتعديل قرارات مجلس الأمن بما يتيح اعتراض السفن المشتبه بها في المياه الدولية حتى من دون إخطار من الجهات الليبية.

ولزيادة الإمدادات المحلية، تطور شركة "زلاف"، التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، مشروع مصفاة الجنوب في أوباري، بطاقة مخططة تبلغ ثلاثين ألف برميل يوميا، لإنتاج البنزين والديزل وغاز الطهو ومشتقات أخرى. وذكرت مجلة "ميد" المتخصصة، في 5 أكتوبر، أن عروض عقد الإنشاء قيد التقييم، وأن أعمال التنفيذ متوقع أن تستغرق خمسين شهرا.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي