قنابل عنقودية روسية الصنع في شمال مالي.. من أسقطها؟
أعاد مؤتمر دولي في لاوس فتح ملف استخدام ذخائر عنقودية محظورة في شمال مالي، بعدما طالبت دول ومنظمات حقوقية بتحقيق مستقل في أدلة تظهر قنيبلات روسية الصنع لم تنفجر عقب غارات جوية نفذت في مايو 2026.
وفي ختام المؤتمر الثالث لمراجعة اتفاقية الذخائر العنقودية، في 18 سبتمبر، قالت "الحملة الدولية لحظر الألغام الأرضية والذخائر العنقودية" إن الصور والتحقيقات المفتوحة المصدر أثبتت وجود قنيبلات من طراز "ShOAB-0.5"، مصدرها قنبلة عنقودية روسية الصنع من طراز "RBK-500"، في قرية تاجمارت قرب أغلهوك بمنطقة كيدال.
لكن الحملة قالت إنها لم تتمكن من تحديد الطرف الذي أسقط القنبلة، في منطقة تنفذ فيها القوات المسلحة المالية و"الفيلق الأفريقي" الروسي عمليات جوية مشتركة ضد التنظيمات المسلحة والحركات الأزوادية.
ما الذي أثبتته الصور؟
بدأت القضية في منتصف مايو، عندما انتشرت صور ومقاطع مصورة لأجسام معدنية صغيرة قال ناشروها إنها عثر عليها بعد غارات جوية في تاجمارت بمنطقة كيدال، وإن غارة أخرى استخدمت فيها ذخائر مماثلة وقعت قرب إن غوزما بمنطقة تمبكتو.
تقع تاجمارت قرب أغلهوك، في أقصى شمال مالي. وتبعد أغلهوك نحو 430 كيلومترا شمال غاو ونحو 150 كيلومترا جنوب الحدود الجزائرية، وسط منطقة صحراوية تنتشر فيها تجمعات سكانية ومخيمات للرعاة.
حلل موقع "بيلينغكات" الصور والمقاطع، وحدد موقع بعضها جغرافيا في تاجمارت. وخلص إلى أن الأجسام الظاهرة هي قنيبلات روسية الصنع من طراز "ShOAB-0.5"، تنثرها قنبلة "RBK-500" بعد انفجارها في الجو.
ولم يتمكن الموقع من التحقق من الموقع الثاني المعلن قرب إن غوزما. كما لم تثبت الأدلة المتاحة هوية الطائرة أو القوة التي نفذت الضربة.
وأكد مرصد الذخائر العنقودية 2026، الصادر في 8 سبتمبر، استخدام ذخائر عنقودية في شمال مالي خلال مايو، لكنه قال إن الطرف المسؤول لا يزال غير محدد.
وفي بيان أحدث صدر في 18 سبتمبر، قالت الحملة الدولية لحظر الذخائر العنقودية إن المواد التي حدد موقعها "بيلينغكات" و"جون أفريك"، وتحققت منها هيومن رايتس ووتش، تظهر قنيبلات غير منفجرة في تاجمارت.
غارات معلنة وسلاح غير معلن
أعلنت القوات المسلحة المالية في 17 مايو تنفيذ غارات جوية في المنطقة نفسها، وقالت إنها استهدفت مجموعات وصفتها بأنها "إرهابية". لكنها لم تحدد نوع الذخائر المستخدمة، ولم تعلق على صور القنيبلات التي ظهرت لاحقا.
ويقول مرصد الذخائر العنقودية إنه ليس من الواضح أن الجيش المالي يشغل بنفسه طائرات قادرة على إلقاء قنابل "RBK-500". وفي المقابل، يشغل "الفيلق الأفريقي" الروسي طائرات مقاتلة من طراز "سوخوي سو-24"، القادرة على حمل هذا النوع من القنابل.
وروسيا من الدول المعروفة بإنتاج الذخائر العنقودية ونقلها واستخدامها، كما استعملت قنابل "RBK-500" وقنيبلات "ShOAB-0.5" في نزاعات أخرى.
غير أن امتلاك القدرة والسلاح لا يثبت وحده هوية منفذ الضربة. ولم يجد المرصد، حتى صدور تقريره، دليلا يسمح بالجزم بأن الطائرة التي ألقت القنبلة كانت تابعة للجيش المالي أو لـ"الفيلق الأفريقي".
ويطرح التقرير احتمالين: أن تكون القوات المالية حصلت على الذخائر من روسيا، أو أن يكون "الفيلق الأفريقي" استخدمها مباشرة خلال عملياته في مالي. لكنه يؤكد أن الأدلة المتاحة لا تحسم أيا منهما.
باماكو تنفي وتقبل التعاون
رفضت مالي الاتهامات منذ ظهورها. وخلال اجتماعات دولية في يونيو، قالت إن أي تحقيق لم يثبت استخدامها ذخائر عنقودية، وأكدت أنها "لم تستخدم قط أسلحة لا تميز بين المقاتلين وغيرهم".
وفي يوليو، وصفت باماكو الأدلة بأنها "غير مدعومة بما يكفي". لكنها أبلغت مؤتمر مراجعة الاتفاقية في سبتمبر استعدادها للتعاون مع الجهود الرامية إلى إثبات الوقائع، بحسب الحملة الدولية لحظر الذخائر العنقودية.
وتكتسب القضية أهمية قانونية خاصة لأن مالي صادقت على اتفاقية حظر الذخائر العنقودية عام 2010، وأعلنت سابقا أنها لم تمتلك هذا السلاح ولم تستخدمه.
وتحظر الاتفاقية على الدول الأطراف استخدام الذخائر العنقودية أو إنتاجها أو تخزينها أو نقلها. كما تمنعها من مساعدة أي طرف آخر أو تشجيعه على استخدامها، وتلزمها بالعمل على ردع الدول غير المنضمة إلى الاتفاقية عن استعمالها.
وبذلك لا تنتهي مسؤولية مالي القانونية إذا ثبت أن قوة روسية هي التي نفذت الضربة. فالاتفاقية تلزم باماكو بمنع المساعدة في استخدام السلاح المحظور، والتحقيق في الواقعة، وتأمين المناطق الملوثة وإزالة القنيبلات غير المنفجرة.
أما تحديد المسؤولية المباشرة عن الهجوم، فيتوقف على معرفة الجهة التي كانت تدير الطائرة، وطبيعة الأوامر والتنسيق بين الجيش المالي و"الفيلق الأفريقي" أثناء العملية.
خطر يبقى بعد انتهاء الغارة
تفتح القنبلة "RBK-500" في الجو وتطلق عددا كبيرا من القنيبلات فوق مساحة واسعة. ويؤدي انتشارها إلى إصابة أهداف عسكرية ومدنية من دون تمييز، خصوصا عندما تستخدم قرب القرى ومخيمات الرعاة والطرق.
ولا تنفجر بعض القنيبلات عند سقوطها، فتتحول إلى أجسام شديدة الخطورة يمكن أن تقتل أو تصيب السكان بعد أسابيع أو سنوات. ويواجه الأطفال والرعاة وجامعو المعادن خطرا أكبر بسبب إمكانية التقاط الأجسام الصغيرة أو الاقتراب منها من دون معرفة طبيعتها.
ولم تنشر السلطات المالية حتى الآن مسحا للمناطق المشتبه بتلوثها في تاجمارت أو إن غوزما، كما لم تعلن عن إزالة القنيبلات أو تحذير السكان منها. ولا تتوافر حصيلة مستقلة للضحايا الذين سقطوا خلال الغارات أو بسبب الذخائر غير المنفجرة.
وبحسب مرصد الذخائر العنقودية، قتل أو أصيب ما لا يقل عن 1063 شخصا بهذه الأسلحة حول العالم خلال 2025، وكان المدنيون يمثلون 87 في المئة من الضحايا الذين عرفت صفتهم. ويرجح المرصد أن تكون الحصيلة الحقيقية أعلى بسبب الحوادث التي لا توثق.
وتعد مالي واحدة من 11 دولة منضمة إلى الاتفاقية ما زالت أراضيها ملوثة بمخلفات الذخائر العنقودية. ويرجح أن تكون ضربات مايو قد أضافت مناطق تلوث جديدة، إلى جانب مخلفات الحروب السابقة.
وبعد أربعة أشهر من ظهور القنيبلات في تاجمارت، أصبحت الواقعة مدرجة في التقرير الدولي السنوي للذخائر العنقودية، ووصلت إلى مؤتمر الدول الأطراف. لكن السؤال الأساسي لا يزال بلا جواب معلن: من أسقط القنابل الروسية الصنع في شمال مالي؟
