تقارير

آخر قرية من أصل 29.. سونغا تقاوم حصار القاعدة في وسط مالي

صورة أرشيفية لمبانٍ طينية في جيني، وسط مالي

عين الساحل – تقرير أمني

تواصل قرية سونغا في وسط مالي مقاومتها لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، بعدما أصبحت آخر قرية من أصل 29 قرية في بلدية موغنا، قرب مدينة جيني التاريخية، ترفض إبرام اتفاق محلي مع التنظيم، رغم حصار مستمر منذ مايو الماضي وهجمات متكررة أوقعت قتلى وجرحى بين المدافعين عنها.

وتكشف التطورات في هذه المنطقة من إقليم موبتي حجم النفوذ الذي اكتسبته الجماعة في الريف المالي، وقدرتها على إخضاع التجمعات السكانية عبر الحصار والتهديد وفرض شروط تتعلق بالحياة اليومية والأنشطة الاقتصادية.

ووفق معلومات نشرتها إذاعة فرنسا الدولية، الخميس 29 أكتوبر، شن مسلحو الجماعة هجوماً واسعاً على سونغا في 21 أكتوبر، تصدى له مقاتلون من مجموعات الصيادين التقليديين المعروفة باسم "الدوزو"، التي تتولى حماية السكان في غياب القوات الحكومية عن محيط القرية.

ونقلت الإذاعة عن مصادر محلية مقتل أربعة من عناصر الدوزو، وإصابة نحو عشرة آخرين، وإحراق عدة منازل. فيما تحدث مصدر مقرب من الجماعة عن مقتل نحو عشرة مدافعين وأسر آخرين، دون تقديم حصيلة يمكن التحقق منها بصورة مستقلة.

واستمرت الهجمات خلال الأيام التالية، مع ورود شهادات عن إطلاق نار واستخدام طائرات مسيّرة ضد القرية، بينما طالب سكانها السلطات المالية بالتدخل لإنهاء الحصار.

28 قرية تحت شروط التنظيم

تقع سونغا ضمن بلدية موغنا التي تضم 29 قرية. وقد توصلت القرى الثماني والعشرون الأخرى، وفق المصادر المحلية، إلى ترتيبات مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تتيح لسكانها التنقل والعمل وممارسة أنشطتهم اليومية وفق شروط يفرضها التنظيم.

وتشمل هذه الشروط الالتزام بقواعد دينية واجتماعية محددة، وقيوداً على اللباس، ودفع إتاوات مالية.

وتنتشر مثل هذه الاتفاقات في مناطق عديدة من مالي، خصوصاً في الوسط، حيث استغلت الجماعات المسلحة تراجع الحضور الحكومي والنزاعات المحلية لتوسيع نفوذها.

وقد أصبحت هذه الترتيبات إحدى وسائل التنظيم لإدارة المناطق التي ينشط فيها، مستفيداً من حاجات السكان إلى الأمن وحرية الحركة والوصول إلى الأسواق والمراعي.

وتشير تجربة موغنا إلى النتائج التي ترتبت على سنوات من تراجع سلطة الدولة في الريف؛ إذ تستطيع الجماعة فرض قواعدها على قرى كاملة، بينما تضطر المجتمعات المحلية إلى التفاوض معها لضمان استمرار حياتها اليومية.

الجيش على بعد 40 كيلومتراً

تتمركز وحدات من الجيش المالي في مدينة جيني، على مسافة تقارب أربعين كيلومتراً من المنطقة، لكن القوات الحكومية لا تحتفظ بوجود دائم في موغنا، وفق المعلومات التي نقلتها إذاعة فرنسا الدولية.

وأتاح هذا الفراغ الأمني لمجموعات الدوزو تولي الدفاع عن سونغا، وهو وضع يتكرر في أجزاء من وسط مالي، حيث تشكلت مجموعات محلية مسلحة لحماية القرى والمزارع وطرق التنقل.

وتحمل هذه التشكيلات تاريخاً معقداً من النزاعات مع مجتمعات محلية أخرى، خصوصاً في المناطق التي شهدت توترات بين المزارعين والرعاة. وقد وثقت منظمات حقوقية خلال السنوات الماضية انتهاكات ارتكبتها جماعات مسلحة محلية، بالتوازي مع الاعتداءات المنسوبة إلى التنظيمات المتطرفة.

وتواجه سونغا حالياً ضغوطاً شديدة مع استمرار الحصار ونقص الحماية الحكومية، وسط مخاوف من تعرض السكان لعمليات انتقامية إذا تمكن المسلحون من دخول القرية.

كيف تتوسع سلطة القاعدة؟

أصبحت الاتفاقات المحلية وسيلة رئيسية تعتمد عليها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لترسيخ حضورها في وسط مالي.

وتفرض الجماعة شروطها بصورة تدريجية، مستفيدة من قدرتها على إغلاق الطرق والتحكم في الأسواق ومصادر المياه والمراعي. وتساعدها هذه الإجراءات على تحصيل الموارد المالية وضمان حرية حركة مقاتليها في المناطق الريفية.

كما يتيح انتشار الاتفاقات المحلية للتنظيم توجيه قواته نحو التجمعات السكانية التي تواصل رفض شروطه، بما يزيد الضغط عليها ويحد من قدرتها على الصمود لفترات طويلة.

وتبرز سونغا مثالاً على هذا الأسلوب، بعدما أصبحت معزولة وسط قرى قبلت ترتيبات مفروضة تحت ضغط الجماعة المسلحة.

ويتزامن ذلك مع استمرار عمليات التنظيم في مناطق أخرى من مالي، حيث يستهدف مواقع الجيش والطرق التجارية، ويستغل الخلافات المحلية لإقامة شبكات نفوذ يصعب تفكيكها بالعمليات العسكرية وحدها.

تقدير عين الساحل.. خطر تمدد الحكم الموازي

ترى "عين الساحل" أن حصار سونغا يقدم مؤشراً مقلقاً على مستوى النفوذ الذي بلغته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مناطق من وسط مالي.

فانتشار الاتفاقات المحلية يسمح للتنظيم بالتدخل في شؤون السكان، وجمع الأموال، وتنظيم حركة التجارة والتنقل، وفرض قواعد اجتماعية على التجمعات الخاضعة لنفوذه.

ومع غياب المؤسسات الحكومية والأجهزة الأمنية، تتسع سلطة الجماعة تدريجياً، وتصبح استعادة الإدارة المدنية أكثر تعقيداً، حتى في المناطق التي تتمكن القوات الحكومية من تنفيذ عمليات عسكرية فيها.

وتستدعي حالة سونغا مراقبة قدرة السلطات المالية على فك الحصار وتأمين القرى المحيطة، إلى جانب رصد التوسع في الاتفاقات التي تفرضها الجماعة على المجتمعات المحلية.

وتخشى "عين الساحل" أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى ترسيخ نظام حكم محلي موازٍ في أجزاء أوسع من الريف المالي، مع ما يحمله ذلك من آثار على سلطة الدولة ووحدة المجتمعات المحلية.

وقد تتحول سونغا إلى مؤشر مبكر على مستقبل القرى التي ترفض شروط التنظيم، خصوصاً إذا تمكن من إخضاعها بعد ستة أشهر من الحصار، فيما تظل القوات الحكومية عاجزة عن توفير الحماية الدائمة لسكان المنطقة.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي