الصحراء بعد "مينورسو".. هل يتقدم المغرب لملء الفراغ؟
"عين الساحل" – رصد وتحليل
يفتح بدء تصفية بعثة "مينورسو" الباب أمام اختبار ميداني في الصحراء المغربية، عنوانه احتمال تحرك الرباط لشغل مواقع تخليها البعثة وتوسيع انتشارها، وما قد يستتبعه ذلك من رد للبوليساريو، ثم من قرارات جزائرية تحدد سقف التصعيد. وقد بدأت التصفية في الأول من نوفمبر بعد تعثر تجديد الولاية، دون إعلان اكتمال الانسحاب.
ويرى محلل "عين الساحل" أن المغرب يمتلك زمام المبادرة في هذه المرحلة، مستنداً إلى قدراته العسكرية والدعم السياسي الخارجي لموقفه. وتنطلق قراءته من احتمال أن تسعى الرباط إلى ترجمة انتهاء الوجود الأممي إلى تغيير في الانتشار على الأرض، يمنع البوليساريو من استثمار المواقع المخلاة لتثبيت حضورها. وهذا سيناريو استشرافي، لم يثبت بدء تنفيذه.
ويفسر المحلل سرعة صدور بيان الديوان الملكي في 30 أكتوبر بأنها تعكس استعداد الرباط للتعامل مع نهاية مرحلة طالما شهدت خلافات مع البعثة والوساطة الأممية. فقد اعتبر البيان عدم التجديد خطوة نحو إغلاق الملف في الأمم المتحدة، مع تأكيد الالتزام بوقف إطلاق النار وحماية الأمن الوطني ووحدة الأراضي.
ولهذه العلاقة سجل من التوتر: ففي 2012 سحبت الرباط ثقتها من المبعوث الأممي كريستوفر روس واتهمته بالانحياز، بينما تمسك الأمين العام آنذاك بدعمه. وفي مارس 2016 أثار استخدام بان كي مون تعبير "الاحتلال" خلال جولته بالمنطقة أزمة انتهت بمطالبة المغرب بمغادرة عشرات العاملين في المكون المدني للبعثة.
ويضيف المحلل أن عدد أفراد "مينورسو" في المواقع المذكورة لم يكن كبيراً، وأنهم لم يستطيعوا وقف الهجمات التي كانت البوليساريو تدّعي تنفيذها شرق الجدار، لأن طبيعة مهمتهم كانت أقرب إلى المراقبة. ومن هذه الزاوية، يرى أن شغل المغرب المواقع التي تخليها البعثة يمكن تسويغه بمنع فراغ أمني واستباق تحركات الجبهة.
ملء الفراغ في مقدمة الخيارات المغربية المحتملة. ففي هذا السيناريو، تتحرك الرباط تدريجياً لتثبيت حضورها في مواقع تُخليها البعثة، وتربط ذلك بمنع تهديد أمنها
وتوضح بيانات البعثة أن مراقبيها العسكريين كانوا غير مسلحين، وأن عملهم شمل الرصد والتحقق والتحقيق في الحوادث ورفع التقارير. وحددت القوة المأذون بها 218 مراقباً عسكرياً للبعثة ككل، ضمن مكون عسكري أوسع يضم عناصر طبية ومساندة؛ وهو سقف معتمد، وليس إحصاءً للأفراد الموجودين في كل موقع عند الانسحاب.
لكن قراءة التحرك المحتمل تستلزم ضبط الجغرافيا. فمواقع "مينورسو" موزعة على جانبي الجدار الرملي، ومن بينها مواقع شرقية في بئر لحلو وتيفاريتي. كما أن الشريط العازل، المحدد بعرض خمسة كيلومترات شرق الجدار وجنوبه، يختلف عن بقية المناطق الخاضعة لقيود عسكرية. لذلك، فإن تسلم منشآت داخل مناطق الانتشار المغربي يختلف عن التقدم إلى مواقع شرقي الجدار، بما يحمله ذلك من تغيير في خطوط التماس.
ويضع محلل "عين الساحل" ملء الفراغ في مقدمة الخيارات المغربية المحتملة. ففي هذا السيناريو، تتحرك الرباط تدريجياً لتثبيت حضورها في مواقع تُخليها البعثة، وتربط ذلك بمنع تهديد أمنها. ويتحدد مدى هذا الانتشار بحجم المقاومة التي قد تواجهها، وبقدرتها على إبقاء التحرك ضمن أهداف محددة.
ويظل انتهاء الرقابة الأممية مختلفاً عن صدور اتفاق جديد يغير الترتيبات العسكرية السابقة؛ كما أن البيان المغربي نفسه أبقى الالتزام بوقف إطلاق النار. ومن ثم، فإن التقدم شرقاً سيكون قراراً سياسياً وعسكرياً له تبعاته، ولا يمكن اعتباره مجرد إجراء إداري ملازم لرحيل البعثة.
ولاحتمال التقدم المغربي سند في تقديرات بحثية سابقة؛ إذ نقلت مجموعة الأزمات الدولية، في أكتوبر 2025، مخاوف دبلوماسيين أوروبيين من أن يؤدي إغلاق البعثة إلى تحرك المغرب في الشريط العازل والمناطق الواقعة شرقه، بما يرفع مخاطر الاحتكاك مع الجزائر. وتكتسب هذه القراءة أهمية الآن، مع بدء تفكيك الآلية التي كانت تراقب التحركات.
ويرى المحلل أن تغيير المغرب لخطوط التماس بدأ بشق طريق السمارة–بئر أم اكرين في موريتانيا، الذي يقول إنه اخترق الجدار العازل جنوباً، ثم بافتتاح معبر حدودي بين البلدين. ويربط هذا التحرك بأثر تغير خطوط التماس على حركة التجارة الإقليمية عبر الكركرات ومشروعات افتتاح معابر جديدة بين المغرب وموريتانيا.
وتوثق الأمم المتحدة جانباً من هذا المسار؛ فقد سجل تقرير الأمين العام الصادر في سبتمبر 2025 إنجاز طريق بطول نحو 93 كيلومتراً يعبر الجدار نحو موريتانيا، مع الإشارة إلى أنه لم يكن مفتوحاً رسمياً آنذاك.
إذا اعترضت البوليساريو التحرك عسكرياً، يرجح محلل "عين الساحل" أن تواجه رداً مغربياً قوياً وسريعاً، غايته منعها من تثبيت قدرة على تعطيل الانتشار. ويستند هذا التقدير إلى اختلال ميزان القوة، خصوصاً جوياً
وتضيف هذه القراءة بُعداً تجارياً إلى مبررات المبادرة المغربية: فتأمين الكركرات وتنويع منافذ الربط مع موريتانيا قد يربطان الانتشار الميداني بحماية حركة البضائع نحو غرب إفريقيا، ويزيدان كلفة تعطيلها. ويظل تشغيل أي منفذ جديد مرتبطاً بالتنسيق بين الرباط ونواكشوط.
إذا اعترضت البوليساريو التحرك عسكرياً، يرجح محلل "عين الساحل" أن تواجه رداً مغربياً قوياً وسريعاً، غايته منعها من تثبيت قدرة على تعطيل الانتشار. ويستند هذا التقدير إلى اختلال ميزان القوة، خصوصاً جوياً؛ فقد وثقت مجموعة الأزمات الدولية أثر المسيّرات والتفوق الجوي المغربي في تقييد حركة وحدات الجبهة. لكن هذا التفوق لا يضمن انتهاء كل أشكال الاستنزاف أو يحسم مدة أي مواجهة.
أما إذا استمرت الهجمات، فقد ترى الرباط أن حماية الانتشار الجديد تتطلب التقدم أبعد داخل الصحراء وتوسيع نطاق عملياتها. وهنا تتغير طبيعة المواجهة: فكل خطوة إضافية قد تقلص مساحة تحرك البوليساريو، لكنها تزيد أيضاً مسؤوليات تأمين الأرض وتقرّب القوات من مناطق أكثر حساسية في جوار موريتانيا وإقليم تندوف الجزائري.
وقد تقود ضربة مغربية مؤثرة في البداية إلى إضعاف ورقة التصعيد العسكري لدى الجبهة، ودفعها إلى تقديم المواجهة السياسية والإعلامية، من خلال اتهام الرباط بفرض أمر واقع، والمطالبة بتحرك خارجي، واستثمار أي أضرار مدنية قد تزعم وقوعها لحشد التأييد. ويكتسب هذا الاحتمال وزناً من تمسك البوليساريو، في بيانها الصادر في الأول من نوفمبر، باستمرار التعاون مع الأمم المتحدة رغم انتهاء عمليات البعثة.
لكن الانتقال إلى السياسة ليس نتيجة تلقائية للخسائر. فقد تختار الجبهة الاحتفاظ بعمليات محدودة لإثبات استمرارها، بما يجعل التحدي المغربي إضعاف قدرتها على التعطيل دون الانجرار إلى استنزاف مفتوح. وبذلك يتحدد النجاح بقدرة المغرب على تثبيت انتشار قابل للاستمرار، إلى جانب منع الهجمات.
عند هذه النقطة يصبح نوع التدخل الجزائري العامل الأكثر حساسية. ويميز تقدير "عين الساحل" بين استمرار الدعم السياسي والدبلوماسي، وبين رفع مستوى الدعم العسكري بأسلحة نوعية أو إسناد مباشر يغير قدرات الجبهة. فإذا ظهر دعم جديد مؤثر في سير القتال، يرجح المحلل أن تعتبره الرباط تصعيداً جزائرياً يستهدف إحباط تقدمها.
أما مشاركة قوات جزائرية مباشرة فتمثل انتقالاً إلى مواجهة بين دولتين، وتظل في تقدير المحلل أقل ترجيحاً من دعم البوليساريو بوسائل أخرى، بسبب كلفة توسيع الحرب وصعوبة احتوائها. ولا تتوافر في المصادر التي راجعها المرصد أدلة تثبت قراراً بهذا النوع من التدخل.
وتبقى المخاطرة الأكبر أن يتوسع الاحتكاك قرب الحدود، فتفسر كل دولة تحرك الأخرى باعتباره تهديداً مباشراً لأراضيها. عندها قد تتجاوز التداعيات الصحراء إلى أمن الحدود والتجارة وحركة السكان، وتزداد الضغوط الخارجية لمنع حرب إقليمية.
ويضاف إلى هذه الحسابات تأثير الولايات المتحدة وفرنسا. فقد جددت واشنطن في أبريل 2025 اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء ودعمها مقترح الحكم الذاتي أساساً وحيداً للتسوية، فيما أعلنت باريس في يوليو 2024 أن حاضر الصحراء ومستقبلها يندرجان في إطار السيادة المغربية.
وفي قراءة "عين الساحل"، يمنح هذا الإسناد الرباط هامشاً أوسع للمبادرة، وقد يتيح لواشنطن وباريس التأثير في ردود الأطراف والدفع نحو ترتيبات تثبت المكاسب السياسية المغربية. كما أكدت الأمم المتحدة من جهتها استمرار استعدادها لدعم التسوية رغم انتهاء عمليات البعثة.
ويرى "عين الساحل" أن الاختبار المقبل سيكون في كيفية استخدام المغرب زمام المبادرة: تثبيت حضور ميداني يعزز موقفه السياسي، واحتواء رد البوليساريو، مع منع تحول الدعم الجزائري إلى مواجهة مباشرة. والإنذار الأهم هو أن تحركاً يبدأ بملء مواقع مخلاة قد يتسع، بفعل الردود المتبادلة، إلى تغيير خطوط التماس قبل ظهور ترتيبات تضبطها.
