تقارير

الجزائر في النيجر.. بين حماية النفط ومخاطر الاستنزاف

عين الساحل – تقرير أمني استراتيجي

بدأ الانتشار العسكري الجزائري في النيجر مع وصول أول قافلة إلى مدينة أرليت شمال غربي البلاد، وفق ما نقلته رويترز في 30 أكتوبر عن عشرة أشخاص، بينما لا تزال تفاصيل حجم القوة ومهامها وقواعد اشتباكها غير معلنة. ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه المؤسسة العسكرية النيجرية ضغوطاً متزامنة من التنظيمات الإرهابية والانقسامات داخل صفوفها.

وحددت الرئاسة الجزائرية هدف إرسال القوات بـ"حماية المصالح الطاقوية والاقتصادية المشتركة الجزائرية النيجرية"، استجابة لطلب السلطات في نيامي. وكانت الموافقة البرلمانية قد تناولت انتشاراً في ماداما قرب الحدود الليبية؛ لكن وصول القافلة إلى أرليت لا يؤكد اكتمال التمركز في القاعدة أو بدء عمليات قتالية.

وتقدّر "عين الساحل" أن المهمة ستواجه اختباراً مبكراً: مدى اتصال حماية المصالح الاقتصادية بحاجات الجبهات الداخلية، وقدرة الدعم الجديد على تجاوز الاختلالات التي أضعفت الجيش النيجري رغم سنوات من الشراكات العسكرية.

جبهات الاستنزاف

تقع أبرز جبهات المواجهة بعيداً عن نطاق الانتشار المعلن شمالاً. ففي الغرب، تنشط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة وتنظيم داعش في الساحل قرب الحدود مع مالي وبوركينا فاسو. وفي الجنوب الشرقي، تواجه منطقة ديفا تهديدات مسرح بحيرة تشاد، خصوصاً "داعش – ولاية غرب أفريقيا"، الذي يختلف تنظيمياً وميدانياً عن فرع التنظيم في الساحل.

وتشير مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن تيلابيري وديفا وشمال تاهوا ظلت المناطق الأشد تأثراً بانعدام الأمن خلال الربع الثاني من 2026، بينما كشفت الهجمات في دوسو عن امتداد العنف جنوباً. ويضع هذا التوزع الجيش أمام جبهات متباعدة، تتطلب حماية مستمرة للسكان والطرق والإمدادات.

وحذر مركز "أكابس"، في تقييم للمخاطر بتاريخ 5 أكتوبر، من أن الانقسامات العسكرية بعد التمرد قد تتيح توسع التنظيمات في تيلابيري وتاهوا ودوسو، وتفاقم النزوح وعرقلة وصول المساعدات.

ما كشفه تمرد أغسطس

أظهرت مواجهات 28 و29 أغسطس في نيامي عمق الأزمة داخل القوات المسلحة. ووفق مجموعة الأزمات الدولية، شارك في التمرد عناصر من القوات الخاصة، وسط استياء من ظروف الخدمة والخسائر الميدانية ونقص التجهيزات. ونقلت المجموعة شكاوى من تأخر التعزيزات الجوية والبرية، وتدهور المركبات، وطول فترات البقاء في الجبهات.

وأبرز تقييمها التفاوت مع الحرس الرئاسي، الذي يتمتع منذ سنوات بأفضل التجهيزات والمجندين، وما ولّده ذلك من شعور لدى عسكريين بأن أولوية هذه القوة هي حماية النظام ومراقبة الجيش. وكان الجنرال عبد الرحمن تياني قد قاد الحرس بين 2011 و2023، قبل توليه السلطة إثر الانقلاب.

وأعقب التمرد دعم جزائري معلن؛ إذ أكدت وكالة الأنباء النيجرية وصول أربع مقاتلات "سوخوي 30" وطائرتي نقل وتزويد بالوقود إلى نيامي في 30 أغسطس، بطلب من السلطات النيجرية. وربط تياني شكره للرئيس الجزائري بهذا الإسناد عقب أحداث التمرد.

وفي قراءة "عين الساحل"، تجعل هذه الخلفية توزيع الدعم الجديد مسألة حاسمة. فإذا استحوذت حماية السلطة والمواقع الاستراتيجية على موارده، فقد تستمر معاناة الوحدات التي تتولى المواجهة اليومية مع التنظيمات.

حدود حماية المنشآت

تملك الجزائر مصالح فعلية في النيجر عبر استثمارات "سوناطراك"، إلى جانب مشروع خط الغاز العابر للصحراء الذي يُخطط لنقل الغاز النيجيري عبر النيجر والجزائر. وهذه المصالح تفسر جانباً من دوافع الانتشار المعلنة، من دون أن تثبت وجود تكليف بحرب شاملة ضد التنظيمات الإرهابية.

وتقدّر "عين الساحل" أن اقتصار المهمة على حراسة المنشآت وممرات خدمتها سيُبقي أثرها على جبهات الداخل محدوداً. وقد يتيح الانتشار تحرير وحدات نيجرية من مهام الحماية وإعادة توجيهها، أو توفير معلومات وإسناد لوجستي؛ لكن هذه الفوائد تظل مشروطة بترتيبات لم تُعلن، وبقدرة القيادة النيجرية على استخدامها.

كما أن تقديم الأسلحة والتدريب لن يعالج بمفرده ضعف الإمداد وتفاوت الموارد وانعدام الثقة داخل الجيش. وقد تتحسن قدرات وحدات محددة، فيما تبقى المناطق الريفية خارج نطاق الحماية المنتظمة.

وتوفر التجربة الغربية خلفية مهمة لهذا التقدير. فقد تلقت النيجر مساعدات أمنية أميركية بعشرات الملايين من الدولارات سنوياً قبل انقلاب 2023، إلى جانب التعاون مع شركاء آخرين. وسجلت خدمة أبحاث الكونغرس تدهوراً أمنياً بعد الانقلاب وانسحاب القوات الفرنسية والأميركية والتراجع الظاهر عن بعض جهود الوساطة المحلية.

وتشير هذه التجربة إلى هشاشة القدرة على الاستمرار بعد تغير الشراكات والسياسات. فالأسلحة والتدريب السابقان لم يضمنا بقاء منظومة قادرة على مواجهة التوسع المسلح، والدعم الجزائري سيواجه الاختبار المؤسسي نفسه.

احتمالات اتساع المواجهة

أما المشاركة الجزائرية في عمليات قتالية أو إسناد مباشر لها، فترجّح "عين الساحل" أن تزيد احتمالات استهداف القوة الجديدة. وقد تشمل المخاطر الكمائن والعبوات والمسيّرات، مع اختلاف مستوى التهديد بحسب مواقع الانتشار وطبيعة المهام.

وتكتسب المسيّرات أهمية خاصة؛ فقد وثق المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية، في دراسة صدرت في 28 أكتوبر، اتساع استخدام الجماعات المسلحة للطائرات الصغيرة في الاستطلاع والهجوم، وحذر من محدودية قدرات مواجهتها لدى جيوش أفريقية. وتشمل الجماعات المستخدمة لهذه الوسائل نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيمات داعش.

ولا تمنح المهمة الدفاعية، في تقدير "عين الساحل"، ضمانة لتجنب القتال. فقد يدفع استهداف القوات أو المصالح التي تحرسها إلى ردود وتوسيع إجراءات الحماية، فتزداد الالتزامات تدريجياً خارج النطاق الأولي للانتشار.

وهنا يظهر احتمال الاستنزاف: قوة تدخل لحماية مصالح محددة، ثم تصبح مطالبة بحماية وجودها وإمداداتها، في بلد لم تُحسم فيه أزمة الجيش أو قدرة الدولة على تأمين أراضيها.

إنذار عين الساحل

ترى "عين الساحل" أن تقييم الانتشار ينبغي أن يركز على وجهة موارده ونتائجه داخل النيجر. وستكون المؤشرات الأهم وصول الدعم إلى وحدات الجبهات، وانتظام الإسناد، وتراجع الاعتداءات على القرى والطرق، وتحسن قدرة السكان على التنقل.

ويتمثل الخطر في أن يحقق الانتشار حماية أفضل للمنشآت وللسلطة، بينما تبقى المجتمعات المحلية والجنود في المناطق المضطربة تحت الضغط نفسه. وقد يعمق ذلك التفاوت الذي كشفه التمرد، ويوفر للتنظيمات فرصاً للاستفادة من استمرار الانقسام.

تواجه الجزائر مهمة يصعب ضمان بقائها محدودة، بينما يحتاج الجيش النيجري إلى إصلاحات تتجاوز تغيير مصدر السلاح. وإذا اتسع الالتزام العسكري قبل معالجة هذه الاختلالات، فقد ترتفع كلفة التدخل من دون تحسن موازٍ في أمن الداخل.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي