تقارير

الجيش السوداني يوسع اعتماده على الميليشيات.. نفوذ متزايد لأيديولوجيا الإخوان

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، في صورة أرشيفية بتاريخ 23 أكتوبر 2019. الصورة: Kremlin.ru

الديسك المركزي - عين الساحل

يتزايد اعتماد الجيش السوداني على الميليشيات والتشكيلات الإسلامية في ما اعتبر تكريسا متزايدا لنفوذ تنظيم الإخوان، لتوفير المقاتلين وتنفيذ عملياته ضد قوات الدعم السريع، في تحول يعزز نفوذ هذه القوى ويعقد إخضاعها لقيادة عسكرية موحدة، ويفتح أمامها مجالا للتأثير في مستقبل السلطة بعد الحرب.

ورصد مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، في دراسة نشرها في يوليو 2026، تغيرا واسعا في تركيب المعسكر المساند للجيش مع توسع الاستعانة بالتشكيلات المسلحة. وأشار إلى أن الحرب أتاحت للميليشيات الإسلامية تعزيز حضورها والمطالبة بموقع في مستقبل السودان السياسي، بينما واجهت محاولات دمجها ضمن القيادة العسكرية مقاومة من بعض تشكيلاتها.

ويضم التحالف الذي يقوده الفريق أول عبد الفتاح البرهان قوات نظامية وكتائب إسلامية ومجموعات محلية وحركات مسلحة من إقليم دارفور غربي البلاد. وتقاتل هذه القوى ضد خصم مشترك، لكنها تحتفظ بقيادات ومصالح متفاوتة، مما يجعل استمرار تعاونها مرتبطا بحسابات تتجاوز الأوامر العسكرية.

وتبرز كتائب "البراء بن مالك"، المرتبطة بالحركة الإسلامية، ضمن القوى التي توسع دورها خلال القتال. ويضع الاعتماد عليها قيادة الجيش أمام تحدي ضبط تشكيلات تحتاج إلى مقاتليها، فيما يسعى الإسلاميون إلى استعادة نفوذ فقدوه بعد سقوط حكم عمر البشير عام 2019.

المقاتلون يمنحون قادتهم نفوذا

دفعت الحرب، التي اندلعت في أبريل 2023، الجيش إلى توسيع التعبئة والاستعانة بقوى مساندة لتعزيز وجوده البري. ومع امتداد الجبهات، اكتسبت الجماعات القادرة على التجنيد وتنظيم المقاتلين أهمية أكبر داخل معسكره.

وبحسب مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية، توسع نشاط التشكيلات الإسلامية من معاقلها في شرق السودان إلى جبهات أخرى، بينها كردفان، المنطقة الواقعة بين وسط البلاد ودارفور. ويشير المركز إلى أن الاستعانة المتكررة بالميليشيات أسهمت في تفتيت القطاع الأمني وإضعاف مهنيته.

وتمنح القدرة على حشد المقاتلين قادة هذه التشكيلات أدوات للمساومة على مواقعهم ومواردهم. فإخضاعهم الكامل للقيادة النظامية يعني نقل سلطة التعيين والانتشار والتسليح إلى الجيش، وتقليص استقلالهم في إدارة وحداتهم.

وظهر هذا الخلاف في وثائق نشرتها "سودان تربيون" في ديسمبر 2025، ونسبتها إلى قيادة "البراء". وتضمنت اعتراضا على إجراءات تحد من استقلال التشكيل، ومطالب بإقالة رئيس الأركان ونوابه أو التحقيق معهم.

ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية أن إعادة الهيكلة تستهدف إخضاع القوات المساندة لقانون القوات المسلحة وقيادة موحدة. ووصفت المصادر الإجراءات بأنها ترتيبات عسكرية مرتبطة بتطورات الميدان، بينما اعتبرتها المذكرة المنسوبة إلى "البراء" قيودا تضعف دورها القتالي.

وتكشف هذه المواجهة حجم الصعوبة التي قد ترافق إنهاء الحرب: فالقوى التي اكتسبت موقعها بالسلاح ستدخل ترتيبات الدمج والتسريح وهي تسعى إلى حماية قياداتها ومصالحها.

نفوذ تراكم داخل الجيش وخارجه

تستند قوة الإسلاميين إلى شبكات أقدم من الحرب الحالية. فقد أعاد نظام البشير، الذي استولى على السلطة عام 1989 بدعم من الجبهة الإسلامية القومية، تشكيل العلاقة بين الجيش والسلطة السياسية على أساس الولاء للنظام.

ووفقا لدراسة لخدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، أجرى البشير عمليات تطهير في الرتب العسكرية العليا، وأصبح إظهار الولاء الإسلامي وسيلة استخدمها ضباط للترقي. كما بنى أجهزة وقوات موازية لموازنة قوة الجيش وحماية حكمه من الانقلابات.

وأتاح إنشاء قوات "الدفاع الشعبي" توسيع التعبئة العسكرية العقائدية. وتوضح دراسة منشورة لدى جامعة كامبريدج أن عناصرها تلقوا تدريبا عسكريا وأيديولوجيا يخدم أهداف النظام.

وبقيت آثار هذه السياسات بعد سقوط البشير، من خلال علاقات داخل الأجهزة وشبكات تنظيمية تمتلك خبرة في التجنيد والتعبئة. ثم وفرت الحرب فرصة لتفعيلها مجددا، مع احتياج الجيش إلى المقاتلين والدعم.

وفي تحقيق نشرته رويترز في يوليو 2025، قدرت مصادر عسكرية عدد المقاتلين المرتبطين مباشرة بحزب المؤتمر الوطني، حزب البشير السابق، بنحو خمسة آلاف، معظمهم في وحدات خاصة. ونفى ممثل لقيادة الجيش التحالف أو التنسيق مع أي حزب سياسي.

ولا تتوافر إحصائية مستقلة تحدد نسبة الإسلاميين داخل القوات المسلحة. ويتجاوز نفوذهم العضوية التنظيمية المباشرة إلى مواقع التأثير والعلاقات التي تربط بعض الضباط والأجهزة بالتشكيلات المساندة.

السلاح يثقل ترتيبات السلام

سيجعل استمرار الاعتماد على الميليشيات إعادة بناء الجيش أكثر تعقيدا، خصوصا إذا انتهت الحرب بتسوية تحتفظ فيها التشكيلات بقياداتها وقنوات تمويلها داخل البنية العسكرية. ففي هذا المسار، قد تنتقل الولاءات الحزبية إلى المؤسسة النظامية وتؤثر في قراراتها من الداخل.

أما توزيع المقاتلين بين وحدات الجيش وفق معايير مهنية، وفصلهم عن قياداتهم التنظيمية، فسيمس مصالح قوى اكتسبت نفوذها خلال الحرب. وقد تواجه هذه الإجراءات اعتراضات مماثلة لما ظهر عند محاولة تقييد استقلال "البراء".

وتشير تقارير "سودان تربيون" إلى سعي القيادة العسكرية لتقليص الظهور العلني لشعارات الكتائب وإدخال المقاتلين تحت مظلة القوات التابعة لها. لكن استعادة وحدة القرار تتطلب أيضا السيطرة على التجنيد والرواتب والسلاح، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يمنع بقاء مراكز قيادة مستقلة داخل الجيش.

ويمتد الخلاف إلى شكل الحكم المقبل. ففي مداخلة بمركز "تشاتام هاوس" في لندن، نقلتها "سودان تربيون" في أكتوبر، حذر السياسي السوداني ياسر عرمان من استخدام المكاسب العسكرية لإعادة الإسلاميين إلى السلطة، ومن استمرار تسييس مؤسسات الدولة، خصوصا القطاع الأمني.

وحمل عرمان الجيش والدعم السريع مسؤولية تقويض الانتقال الديمقراطي والانتهاكات ضد المدنيين. ودعا إلى حوار بين القوات المسلحة والقوى المناهضة للحرب، يتوسع لاحقا ليشمل الدعم السريع، ضمن مسار ينتهي بتفكيك الميليشيات وإقامة جيش وطني واحد يخضع للحكم المدني.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي