306 قتلى في ثلاثة أسابيع.. “عين الساحل” تتتبع حرب المسيّرات في السودان
عين الساحل - تقرير خاص: كمال كروري
من شاحنة ركاب في غرب كردفان إلى أسواق دارفور وأحياء الخرطوم، اتسعت خلال أكتوبر دائرة القتل بالطائرات المسيّرة في السودان، مع امتلاك طرفي الحرب وسائل لضرب مواقع بعيدة عن خطوط التماس، واستمرار تدفق السلاح والخبرات من الخارج.
وأعلنت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في 23 أكتوبر 2026، توثيق مقتل 306 أشخاص على الأقل وإصابة مئات آخرين بضربات مسيّرات خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من الشهر. وقالت إن الهجمات المنسوبة إلى الجيش وقوات الدعم السريع أصابت منازل وأسواقا ومستشفيات ومواقع نزوح ومحطات كهرباء ومصادر مياه.
وفي الدبب بغرب كردفان، أورد البيان الأممي مقتل 139 شخصا على الأقل بضربتين على شاحنة نقل يوم 18 أكتوبر، مقابل تقدير طبي أولي نقلته فرانس برس بنحو 80 قتيلا. ونسبت منظمة “محامو الطوارئ” وتحالف “تأسيس” الهجوم إلى الجيش.
وفي أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، أعلن مسؤول محلي مقتل 153 شخصا في ضربة على سوق أميت يوم 19 أكتوبر. ونقلت رويترز عن مصادر دبلوماسية وخبراء أن السوق جزء من شبكة إمداد وقود للدعم السريع. واتهم مسؤولون الجيش بالضربة، لكن الحكومة السودانية نفت مسؤوليتها، وبقيت ملابسات الهجوم موضع خلاف.
“استخدام المسيّرات يتم لتحقيق نوع من التفوق، في ظل امتلاك الجيش تفوقا جويا على قوات الدعم السريع”.
أمين إسماعيل — خبير عسكري واستراتيجي
وفي الفاشر، قال شهود لـ“سودان تربيون” إن غارات للجيش يوم 22 أكتوبر ضربت مواقع ألحقت أضرارا بالسوق الكبير ومسجد السلطان علي دينار. وفي أبو جابرة بشرق دارفور، طالت الغارات شاحنات وقود ومركبات عسكرية ومدنية.
ورصدت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة “فيوز نت”، استنادا إلى بيانات “أكليد”، 522 حادثة قصف جوي ومسيّر بين يناير ومايو 2026، بزيادة 38% عن الفترة نفسها من 2025. ويشمل الرقم الطيران المأهول والمسيّرات معا.
احتفظ الجيش، منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، بالطيران الحربي التقليدي، ثم وسع استخدام المسيّرات. وأظهر تحقيق لرويترز في أبريل 2024 طائرة “مهاجر-6” الإيرانية في قاعدة وادي سيدنا، ونقل عن مصادر دور هذه المنظومات في تقدم الجيش بأم درمان. رغم نفى الجانب السوداني آنذاك تلقي أسلحة مباشرة من إيران.
ويربط الخبير العسكري والاستراتيجي أمين إسماعيل توسع استخدام المسيّرات باتساع رقعة الحرب وامتدادها إلى مناطق صحراوية ونائية، بعد معارك اعتمدت في بدايتها على مركبات الدفع الرباعي داخل المدن. ويقول لـ“عين الساحل” إن “استخدام المسيرات يتم لتحقيق نوع من التفوق”، ويرى أن الدعم السريع يسعى إلى تعويض أفضلية الجيش الجوية، ويوظف هذا السلاح، في تقديره، لإفراغ المدن.
ويحذر إسماعيل من أن العوامل الجوية والفنية قد تتسبب في انحراف الضربات وإصابة المدنيين، مشددا على أثر التدريب والخبرة الفنية في تشغيل المسيّرات. ويرى أن الجيش يتفوق على الدعم السريع من حيث توافر الكوادر المدربة.
وتنوعت ترسانة الجيش لاحقا بين المسيّرات الإيرانية والمنظومات التركية. ورصدت بعثة تقصي الحقائق الأممية حطاما وصورا تتوافق مع “أقينجي” في دارفور وكردفان، ومكونات ذخائر جوالة من طراز “ييها-3” في وقائع نسبت إلى الجيش. وأوردت “واشنطن بوست” صفقة بـ120 مليون دولار شملت ثماني مسيّرات “TB2”، مع نفي دبلوماسي تركي للدعم العسكري.
“تبقي القدرة على ضرب الكهرباء والوقود والمياه وطرق النقل المدن عرضة لتعطيل الحياة والنزوح، حتى بعد تراجع المعارك البرية فيها”.
قراءة “عين الساحل”
في المقابل، وثقت بعثة تقصي الحقائق حطاما يتوافق مع منظومات “CH-95/FH-95” لدى الدعم السريع. ورصدت جامعة ييل في صور لمطار نيالا التقطت يوم 6 مايو 2026 طائرة يرجح أنها من عائلة “BZK-005”، بباع جناحين يقارب 19 مترا، دون تحديد مهمتها أو رؤية ذخائر عليها.
وبحسب “أكليد”، حافظ الجيش على قصف مواقع الدعم السريع وخطوط إمداده في الغرب، بينما اتجه الدعم السريع إلى ضربات أقل تواترا على مرافق حيوية وقواعد داخل مناطق الجيش. ويرصد المشروع اعتراض الجيش نحو 13% من اشتباكات المسيّرات المنسوبة للدعم السريع، مقابل 2.3% بالاتجاه المعاكس؛ وهي نسب للوقائع المسجلة، وليست قياسا شاملا لكفاءة الدفاع الجوي.
وفي تقدير “عين الساحل”، تبقي القدرة على ضرب الكهرباء والوقود والمياه وطرق النقل المدن عرضة لتعطيل الحياة والنزوح، حتى بعد تراجع المعارك البرية فيها. ويربط ذلك أمن السكان بقدرة الأطراف على الوصول إلى المنشآت البعيدة، إلى جانب موازين السيطرة على الأرض.
وفي الأبيض، تحقق مشروع “سودان ويتنس” من ضربة أصابت كلية العلوم التنموية والتكنولوجية يوم 9 سبتمبر، ورجح بدرجة عالية مسؤولية الدعم السريع عنها، مع تقارير بمقتل حارس وتضرر المكتبة والمعامل. ورصد إضافة أكثر من 1200 خيمة إلى مخيم النازحين الموحد بالمدينة بين أغسطس وأكتوبر.
“يجب أن تخضع الهجمات بالمسيرات لمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات، ولا يجوز السماح لها باستهداف المدنيين”.
إسماعيل مضوي — مستشار الأزمات والقانون الدولي
ووثقت بعثة تقصي الحقائق مقتل أكثر من ألف مدني بضربات مسيّرات بين يناير ومايو 2026. وبحثت هجمات نسبت إلى الدعم السريع على روضة ومستشفى في كلوقي، قتلت 114 شخصا بينهم نحو 60 طفلا في ديسمبر 2025، وضربات نسبت إلى الجيش على مستشفى الضعين التعليمي في مارس 2026، قتلت 70 شخصا على الأقل وأخرجته من الخدمة. وينفي الطرفان استهداف المدنيين.
ويحذر إسماعيل مضوي، مستشار الأزمات والقانون الدولي، في حديث لـ“عين الساحل”، من امتداد آثار الهجمات إلى الأسواق والأحياء السكنية والتجمعات المدنية وتعطيل الخدمات الحيوية. ويشدد على إخضاعها لمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات، مؤكدا أنه “لا يجوز السماح لها باستهداف المدنيين”.
ويرى مضوي أن الهجمات قد تشكل جرائم حرب متى توافرت الأدلة والعناصر القانونية اللازمة، وفق نظام روما الأساسي، وأن تحديد المسؤولية يتطلب التحقق من طبيعة الهدف، والجهة المنفذة، وظروف الهجوم والأدلة. وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني استهداف المدنيين، وكذلك الهجمات التي يتوقع أن تسبب أضرارا مدنية عرضية مفرطة قياسا بالميزة العسكرية الملموسة والمباشرة المتوقعة.
وفي 20 سبتمبر، دمر القصف أكثر من 330 ألف كتاب ومادة تعليمية في مستودعين بمحلية شيكان بشمال كردفان، وفق “يونيسف”. وكانت هذه المواد معدة للتوزيع مع بداية العام الدراسي في أكتوبر، بما يشمل مدارس في غرب بارا وبارا وأم دم.
وتتواصل الجهود العربية والدولية لوقف الحرب في السودان، وسط دعوات لحماية المدنيين وفتح ممرات المساعدات والتوصل إلى تسوية سياسية. وأكدت مصر والسعودية والإمارات، في مواقف مشتركة مع الولايات المتحدة، أن الصراع لا يملك حلا عسكريا، ودعت إلى هدنة إنسانية تقود إلى وقف دائم لإطلاق النار، وإلى إنهاء الدعم العسكري الخارجي الذي يسهم في إطالة القتال. وشددت على ضرورة وقف الهجمات العشوائية على البنية التحتية المدنية.
وترافق هذه التحركات إدانات أممية للهجمات التي تطال المدنيين، ومطالب بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يمنع الإفلات من العقاب. ويبقى اختبار هذه الجهود في قدرتها على تحويل المواقف المعلنة إلى حماية ملموسة للسكان، ووقف للقصف، ووصول آمن للإغاثة، وتمهيد الطريق لإنهاء حرب تتسع كلفتها الإنسانية مع كل يوم إضافي من القتال.
