ستارلينك في الساحل والسودان.. من يتحكم باتصال مناطق الحرب والإرهاب؟
نواكشوط: محمد لمين ولد الشيخ
تحت شجرة قرب قرية غيليدي في وسط مالي، تجمع مدنيون لشراء اتصال بالإنترنت عبر “ستارلينك”، قبل أن تصيبهم ضربة بطائرة مسيرة، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة ستة آخرين، وفق تقرير نشرته هيومن رايتس ووتش في 22 أكتوبر الجاري 2026.
ووقعت الضربة في 16 سبتمبر بمنطقة موبتي، ونسبتها المنظمة على نحو مرجح إلى الجيش المالي. وقال سكان إن مسلحي “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، المرتبطة بالقاعدة، كانوا يستخدمون نقطة الاتصال نفسها، لكنهم لم يكونوا بين الضحايا. وفي رواية الجيش، استهدفت العملية عناصر إرهابية بحوزتها معدات حربية وأجهزة اتصال بالأقمار الصناعية.
ومع اتساع استخدام الخدمة بين المدنيين والجيوش والجماعات المسلحة، تتزايد أهمية إجراءات الشركة والحكومات لمنع وصولها إلى مستخدمين متورطين في العنف والجريمة، والقدرة على تعطيل أجهزتهم دون عزل السكان المحيطين بهم.
وتوفر “ستارلينك”، التابعة لشركة “سبيس إكس” الأميركية، الإنترنت عبر أقمار في مدار أرضي منخفض. ويحتاج تشغيلها إلى جهاز استقبال وكهرباء واشتراك فعال ورؤية مناسبة للسماء، ما يسمح بالاتصال في مناطق غابت عنها أبراج الهاتف أو دمرتها الحرب.
ويقول الإعلامي والحقوقي الأزوادي آكلي شكا، في إفادة لـ“عين الساحل”، إن الخدمة أصبحت ضرورة متزايدة لسكان المناطق النائية، وساهمت في كسر العزلة وتسهيل التواصل والتعليم والتجارة وإيصال أخبار مجتمعات ظلت بعيدة عن التغطية الإعلامية، في ظل دول يصفها بأنها “تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة الحديثة وتلجأ إلى التعتيم والرقابة على مواطنيها”.
رصدت المبادرة العالمية استخدام أجهزة لدى “نصرة الإسلام والمسلمين”، وداعش في الساحل وفرعه في غرب إفريقيا بمنطقة بحيرة تشاد
وفي موريتانيا، يصف الإعلامي عبد الله اتفاقه المختار الخدمة، في حديث لـ“عين الساحل”، بأنها كانت “معجزة منتظرة” لدى كثير من سكان البوادي. ويقول إنها فكت عزلة مناطق واسعة من الصحراء، وساعدت السلطات على التواصل مع مناطق لا تصلها الشبكات التقليدية، وأتاحت استخدامات في التعليم والأمن، وربطت سكان العاصمة والمغتربين بذويهم في القرى.
تبدأ السوق من بلدان تتاح فيها الخدمة رسميا، ثم تمتد عبر الوسطاء والتهريب إلى مناطق أخرى. ووثق بحث للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، صدر في مايو 2025، انتقال أجهزة من نيجيريا عبر النيجر إلى أسواق الساحل.
وفي النيجر، أعلنت السلطات إتاحة الخدمة في مارس 2025 واختيار موزعين معتمدين. وبلغ السعر المعلن في مايو من العام نفسه 244 ألف فرنك إفريقي للجهاز القياسي و125 ألفا لجهاز “ميني”، مقابل 32 ألفا للاشتراك الشهري، وهي أسعار تعود إلى مرحلة الإطلاق.
أما في طويلة بشمال دارفور، فوثق “سودان تربيون” في مارس 2026 بيع ساعة الاتصال مقابل ألف إلى 1500 جنيه سوداني. وقال مشغل إحدى النقاط إن الأجهزة تصل من ليبيا أو تشاد عبر التهريب، وإن اشتراكه الأساسي يكلفه 120 دولارا شهريا، إضافة إلى رسوم أخرى.
ورصدت المبادرة العالمية استخدام أجهزة لدى “نصرة الإسلام والمسلمين”، وداعش في الساحل وفرعه في غرب إفريقيا بمنطقة بحيرة تشاد، وكذلك الجيش المالي وجبهة تحرير أزواد. ووثقت استفادة شبكات تهريب من الاتصال في المناطق النائية ومن الاتجار بالأجهزة.
وفي السودان، وثق تحقيق لـ“وول ستريت جورنال” في أبريل 2024 اقتناء الدعم السريع أجهزة عبر وسطاء واستخدامها في الاتصالات العسكرية وبيع الاتصال للسكان. كما رصدت رويترز توفير الجيش السوداني اتصالا بالأقمار الصناعية لمدنيين في كرري بأم درمان.
ويعزو المختار قدرة جماعات مسلحة في الساحل، بينها تنظيمات متطرفة، على بث تسجيلات عملياتها بصورة شبه لحظية إلى امتلاكها أجهزة “ستارلينك”، داعيا إلى الحد من وصولها إلى جهات تستخدمها في العنف والدعاية المتطرفة.
ويقول إن سوء الاستخدام يمثل هاجسا لدى السلطات الموريتانية التي تتابع، بحسب وصفه، حيازة الأجهزة واستخدامها بصورة قانونية. لكنه يرى أن التحدي الأكبر يقع خلف الحدود، حيث يصعب على كل دولة تحديد مستخدمي الأجهزة وطبيعة نشاطهم في المناطق الخطرة، ما يستدعي التنسيق بين الدول المعنية والاستعانة بالشركة للحد من استغلال الخدمة.
وتملك الشركة أدوات لتعطيل الخدمة. ففي بيان نشره حساب ستارلينك في فبراير 2024، قالت إنها تحقق عندما تعلم باستخدام جهاز من جهة خاضعة للعقوبات أو غير مخولة، وتتخذ إجراءات لتعطيله إذا ثبت ذلك. وتجيز شروطها تعليق الحساب أو إنهاء الخدمة بسبب النشاط الاحتيالي أو غير القانوني، أو بناء على طلبات وأوامر من جهات إنفاذ القانون والقضاء والسلطات المختصة.
حكومة مالي أقرت في بيان لمجلس الوزراء بأن الأجهزة استمرت في العمل رغم حظرها
وسبق تطبيق إجراءات واسعة خارج إفريقيا. ففي 22 أكتوبر 2025، أعلنت مسؤولة في “سبيس إكس” تعطيل أكثر من 2500 جهاز قرب مراكز احتيال مشتبه بها في ميانمار، وفق فرانس برس.
لكن تحقيقا لأسوشيتد برس و“فرونتلاين”، نشر في يونيو 2026، وجد استخدام ستارلينك في 13 موقع احتيال جديدا على الأقل خلال الفترة من مارس إلى مايو، رغم إجراءات التعطيل السابقة.
وفي أوكرانيا، أعلنت كييف في 5 فبراير 2026 تعطيل أجهزة تستخدمها القوات الروسية، بعد تعاون مع الشركة لإبقاء الأجهزة المعتمدة وحدها على الشبكة. وأكدت رويترز أنها لم تتمكن من التحقق من الحجم الكامل للاضطراب.
أما في الساحل والسودان، فلم تتوصل “عين الساحل”، عبر المصادر العلنية التي راجعتها، إلى حصيلة تعلن عدد الأجهزة التي عطلتها الشركة بسبب استخدامها لدى الجماعات الإرهابية أو شبكات الجريمة. وتظل الإجراءات الحكومية المعلنة أوضح من نتائج التعاون مع الشركة في تعطيل أجهزة بعينها.
ففي السودان، وثقت “فريدم هاوس” طلب هيئة تنظيم الاتصالات من وزارة الداخلية في يناير 2024 منع دخول الأجهزة. وطلبت السلطات من الشركة المساعدة في ضبط الخدمة، بما يشمل إتاحة تعطيلها في مناطق سيطرة الدعم السريع، بحسب التقرير. ولم يتوافر ما يثبت منح الحكومة هذه الصلاحية.
وأخطرت الشركة مستخدمين بوقف الخدمة في السودان بنهاية أبريل 2024، ضمن قيود البلدان غير المرخصة، لكن “فريدم هاوس” أكدت استمرار إتاحتها في مايو. كما وثقت تقارير ميدانية استخدامها في دارفور خلال 2026.
وفي مالي، أقرت الحكومة في بيان مجلس الوزراء بتاريخ 9 أكتوبر 2024 بأن الأجهزة استمرت في العمل رغم حظرها، وأنها قد تقع في أيد خطرة. ورفعت تعليق الاستيراد والتسويق ستة أشهر، معلنة إعداد إطار تنظيمي ومنصة لتسجيل المستخدمين والأجهزة. ولا يثبت هذا الإعلان وحده اكتمال المنصة أو نتائجها في تعطيل اتصال الجماعات المسلحة.
واتجهت النيجر وتشاد إلى الترخيص وضبط التسجيل، وفق المبادرة العالمية، فيما وثق البحث مصادرة أجهزة خلال عمليات أمنية في غرب النيجر. وفي تشاد، نص إعلان تنظيمي صدر في يوليو 2025 على حصر استيراد الأجهزة في شركة “ستارلينك تشاد”، وقصر تسويق الخدمة على الشركة ومزودي الإنترنت المعتمدين.
ولا تكفي التغطية الفضائية وحدها لضمان التشغيل؛ فالخدمة مرتبطة بالترخيص والحساب والباقة والقيود الجغرافية. وتوضح ستارلينك أن الاستخدام في بلدان غير مصرح بها قد يؤدي إلى تقييدها فورا، بينما تشمل بياناتها التقنية المسجلة موقع الجهاز ومعلومات اتصاله.
آكلي شكا: الجماعات المتطرفة تستغل الخدمة لنشر دعايتها والتواصل والتنسيق فيما بينها
ويقر شكا بأن الجماعات المتطرفة تستغل الخدمة لنشر دعايتها والتواصل والتنسيق فيما بينها، لكنه يحذر من أن “الحظر الشامل قد يعمق عزلة السكان”، ويدعو إلى إجراءات تستهدف الاستخدامات الإجرامية وتحمي حق المدنيين في الاتصال والوصول إلى المعلومات.
وتتداخل داخل مناطق النزاع استخدامات متعارضة؛ فقد تتيح نقطة واحدة اتصال مقاتلين ونازحين وعاملين في الإغاثة. وحذر بيان مشترك وقعت عليه 94 منظمة في مايو 2024 من أن وقف ستارلينك في السودان سيلحق ضررا غير متناسب بالمدنيين والمنظمات الإنسانية.
وأوضح البيان، المنشور لدى المجلس النرويجي للاجئين، أن السكان يستخدمون الإنترنت للحصول على التحويلات المالية والمعلومات الضرورية للبقاء، وأن غرف الطوارئ المحلية تعتمد على نقاط ستارلينك غير الرسمية لتنسيق المساعدة. وطالبت المنظمات بحماية مرافق الاتصالات المدنية، ورفع القيود عن معدات الإنترنت الفضائي، وتوسيع وسائل الاتصال المتاحة للعاملين في الإغاثة والسكان.
