بوركينا فاسو.. إفراج مقيّد عن "الإمام السلفي" محمد كيندو
"عين الساحل" – رصد وتحليل
أُفرج عن الإمام البوركيني محمد إسحاق كيندو بعد أكثر من خمسة أشهر من الاحتجاز، وفق مصادر من الجماعة السنية نقلت عنها إذاعة فرنسا الدولية في 2 نوفمبر، مع قيود على نشاطه واستمرار إغلاق المسجد السني الرئيسي في واغادوغو.
وبحسب هذه المصادر، يقيم كيندو في مكان معزول لتجنب تجمع أنصاره، ويُمنع من استقبال الزيارات والتصوير والحديث العلني. وشبّه أحد أفراد الجماعة وضعه بـ"الإقامة تحت المراقبة"، وهو توصيف من المصدر لظروف الإفراج.
ويشغل كيندو موقع منسق مجلس العلماء والحكماء في الحركة السنية، وفق وكالة الصحافة الأفريقية، ما يمنح قضيته بعداً يتجاوز توقيف إمام مسجد. وكان مؤيداً للسلطات العسكرية في البداية، بحسب الإذاعة، قبل خلافه معها بشأن تنظيم الممارسة الدينية. وتكشف القضية حدود التوافق بين سلطة تسعى إلى ضبط المجال العام ومرجعية دينية تحتفظ بقدرة على التأثير والتعبئة.
بدأت الأزمة في 26 مايو، عشية عيد الأضحى، حين أُوقف كيندو في العاصمة عقب انتقاداته لمشروع قانون الحريات الدينية. وأكد اتحاد الجمعيات الإسلامية في بوركينا فاسو توقيفه، وقال يومها إن أسبابه لم تُبلّغ إليه رسمياً، معلناً إجراء اتصالات مع السلطات وداعياً المصلين إلى الهدوء وضبط النفس. وبذلك ظل ارتباط التوقيف بتصريحاته سياقاً للواقعة، لا تهمة قضائية معلنة في بيان الاتحاد.
وكانت الحكومة قد وافقت في 19 مارس على إحالة مشروع القانون إلى المجلس التشريعي، مبررة ذلك بالحاجة إلى سد فراغ قانوني وحماية حرية المعتقد والنظام العام. وربطت الإصلاح بمواجهة التعصب والتطرف والتداخل بين النشاط الديني ومؤسسات الدولة. وفي المقابل، أثارت القيود المقترحة على الممارسة الدينية اعتراض كيندو، لتتحول العلاقة من التأييد إلى الاحتجاج.
في تقدير "عين الساحل"، ترجح الوقائع المتاحة مسار احتواء محسوب للتوتر: الإفراج يخفف عبء استمرار توقيف مرجعية دينية مؤثرة، بينما تحد القيود المنقولة عن مصادر الجماعة من قدرتها على استئناف التعبئة
وسرعان ما امتدت الأزمة إلى المسجد والشارع. ففي 28 مايو أصدر حاكم إقليم كاديوغو قراراً بإغلاق المسجد الكبير للحركة السنية في وسط واغادوغو حتى إشعار آخر، معللاً الإجراء بمخاطر الإخلال بالنظام العام. وجاء القرار بعد احتجاجات لأنصار الإمام المطالبين بإطلاق سراحه، فيما كررت الحركة السنية واتحاد الجمعيات الإسلامية الدعوة إلى التهدئة.
واتخذ التعامل مع المحتجين بعداً إضافياً؛ إذ تحقق موقع "فاسو تشيك"، في مطلع يونيو، من مقطع يظهر موقوفين يؤدون تدريبات عسكرية داخل معسكر لقوات الأمن الجمهوري في العاصمة. ونقل عن مصادر أمنية تأكيد ارتباط المشاهد بالموقوفين في احتجاجات كيندو. ثم أُفرج في 4 أكتوبر عن نحو 80 من أنصاره بعد أشهر من الاحتجاز، وفق تقرير سابق لإذاعة فرنسا الدولية، بينما بقي الإمام محتجزاً آنذاك.
وخلال احتجازه، أُقر التشريع الذي اعترض عليه. فقد أعلن جهاز الإعلام الحكومي تصويت المجلس التشريعي بالإجماع، في 20 يونيو، على قانون للحريات الدينية يضم 112 مادة، وينظم إنشاء دور العبادة وعملها وتمويل المؤسسات الدينية، مع عقوبات على المخالفات. وقدمت الحكومة القانون باعتباره أداة لصون حرية الدين والتماسك الاجتماعي، وقالت إنه سيتيح تنظيم عمل الدعاة واستخدام الفضاء العام للأغراض الدينية.
وهذه نقطة أساسية في قراءة الإفراج: فالسلطة مضت في مشروعها التشريعي أثناء احتجاز أبرز المعترضين عليه، ثم خففت الاحتجاز على مراحل. ومن ثم، فإن خروج كيندو لا يعني تراجعها عن تنظيم المجال الديني وفق التصور الذي أعلنته، فيما تبقى حدود عودته إلى النشاط العام العامل الأهم في تحديد اتجاه العلاقة بين الطرفين.
وفي تقدير "عين الساحل"، ترجح الوقائع المتاحة مسار احتواء محسوب للتوتر: الإفراج يخفف عبء استمرار توقيف مرجعية دينية مؤثرة، بينما تحد القيود المنقولة عن مصادر الجماعة من قدرتها على استئناف التعبئة. ويظل هذا تقديراً لدلالة الإجراءات، دون معلومات تثبت تفاهمات بين الإمام والسلطة أو شروطاً قبل بها مقابل خروجه.
وتحمل القضية إنذاراً أوسع بشأن العلاقة بين الحكم العسكري والمؤسسات الدينية. فانتقال شخصية كانت مؤيدة للسلطة إلى مواجهتها حول حدود تدخلها يظهر هشاشة التحالف حين يمس التنظيم الحكومي استقلال المنبر. كما أن الجمع بين تشريع جديد وإجراءات أمنية بحق المعترضين قد ينقل الخلاف من مناقشة قواعد الممارسة إلى أزمة ثقة يصعب إنهاؤها بمجرد الإفراج.
وسيكون الاختبار المقبل في إعادة فتح المسجد، وعودة الإمام إلى التواصل العلني، وطريقة تطبيق القانون على المؤسسات الدينية. فهذه المؤشرات ستبين إن كانت الخطوة تمهد لتهدئة مستقرة، أم تُبقي الخلاف قائماً تحت قيود تحد من ظهوره في الشارع.
