تقارير

حماية مقابل المال.. اقتصاد الكوكايين بين الساحل وليبيا

لم تعد قوافل الكوكايين التي تعبر مالي والنيجر نحو ليبيا تعتمد على إخفاء الشحنة وسرعة السائق وحدهما. فقبل تحركها، تُشترى لها الحماية، وتُحدد الجهات التي ستؤمن كل مقطع من الطريق، وتُبرم تفاهمات مع مسلحين يسيطرون على مناطق العبور. وقد يكون المقابل مالا أو سيارات أو أسلحة وذخيرة، بينما تتقاضى تشكيلات مسلحة في ليبيا أحيانا جزءا من المخدرات أو تخفيضات في سعرها لإعادة بيعها محليا.

هذه هي الصورة التي يرسمها تقرير أصدرته «المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود» في 7 أغسطس 2026 عن تجارة الكوكايين بين مالي والنيجر وليبيا. ويستند التقرير إلى مراجعة بيانات ومصادر مفتوحة وأرشيف ميداني، وإلى أكثر من 150 مقابلة مع تجار وناقلين ومسؤولين أمنيين وقادة محليين ووسطاء وعناصر مرتبطة بتشكيلات مسلحة ومهربين ودبلوماسيين وخبراء.

لكن تاريخ النشر لا يمثل تاريخ المعلومات كلها. فقد أجري العمل الميداني بين سبتمبر 2025 ويناير 2026، وتعكس نتائجه الوضع حتى نهاية تلك الفترة. وينبه معدّوه إلى أن التطورات اللاحقة، ومنها الهجمات الواسعة في مالي خلال 2026، ليست مشمولة؛ ولذلك توثق المادة بنية التجارة وآليات الحماية التي رصدها التقرير، ولا تفترض بقاء السيطرة الميدانية على حالها في سبتمبر.

طريق أقل حجما وأكثر أثرا

تصل غالبية شحنات الكوكايين المتجهة من أميركا اللاتينية عبر غرب أفريقيا إلى أوروبا بحرا، لكن جزءا أصغر يتحرك برا في شبكة تعبر الساحل والصحراء. وعلى الرغم من محدودية حجمه مقارنة بالمسارات البحرية، يمنح هذا الجزء دخلا لوسطاء محليين وشخصيات مرتبطة بمؤسسات الدولة وتشكيلات مسلحة تبيع الحماية أو المرور عبر مناطق نفوذها.

يرصد التقرير أربعة محاور برية رئيسية. ينطلق أحدها من موريتانيا والسنغال وغينيا وغينيا بيساو وغامبيا وليبيريا وسيراليون، ثم يمر عبر مالي والنيجر إلى ليبيا. ويبدأ محور آخر من توغو وبنين وغانا ونيجيريا، وبدرجة أقل من بوركينا فاسو، ويعبر النيجر إلى ليبيا. ويتجه مسار غربي من السنغال وغامبيا عبر موريتانيا والمغرب إلى إسبانيا، فيما تستخدم شبكة رابعة موانئ لاغوس وبورت هاركورت والطرق النيجيرية للوصول إلى النيجر.

لا تعمل هذه المحاور كخطوط ثابتة. فالشحنات تنتقل بين طرق متداخلة وفي الاتجاهين، وقد تخفى وسط بضائع مشروعة، بينما يُترك جزء محدود للاستهلاك في مدن العبور. وعندما يشتد القتال أو تنهار ترتيبات سياسية، لا تتوقف التجارة بالضرورة؛ بل تطول الرحلة، وتتغير نقاط التخزين، ويعاد التفاوض على الحماية.

مالي.. الحرب تغيّر الطريق ترسخت تجارة الكوكايين في شمال مالي منذ مطلع الألفية مستفيدة من شبكات تجارية وطرق تهريب أقدم. وكشفت واقعة «طائرة الكوكايين» في نوفمبر 2009 حجم النشاط، عندما هبطت طائرة بوينغ 727 قرب تاركنت في منطقة غاو، وسط تقديرات بأنها كانت تحمل بين 7 و11 طنا من الكوكايين. وأشارت التحقيقات التي أعقبت الواقعة، وفق التقرير، إلى صلات بمسؤولين ماليين كبار وشخصيات بقي بعضها مؤثرا في شبكات التجارة لاحقا.

ومنذ منتصف 2023، أدى التصعيد بين الجيش المالي وحلفائه الروس من جهة، والحركات الأزوادية من جهة أخرى، إلى تفكيك تفاهمات كانت تمنح المهربين قدرا من القدرة على توقع المخاطر. وتضررت خصوصا العقد الواقعة على الطريق الوطني 18 بين غاو ومنطقة كيدال، ومنها تاركنت وتابنكورت. وبدلا من اختفاء الشحنات، اتجهت شبكات أكثر من غاو شرقا عبر ميناكا نحو النيجر، فأصبحت الرحلات أطول وأكثر كلفة وتعرضا لتعدد السلطات المسلحة.

يصف التقرير شبكة من الأسر التجارية العربية المنحدرة من وادي تلمسي في منطقة غاو باسم «مجرة تلمسي»، ويقول إنها تمثل أحد أهم مراكز تنسيق الشحنات الكبيرة. ويذكر، بصفتهما شخصين يشتبه في ارتباطهما بالتجارة، محمد بن أحمد المهري المعروف بـ«روجي»، وشريف ولد الطاهر. وتدرج وزارة الخزانة الأميركية المهري على قائمة العقوبات، كما سبق أن أدرجته لجنة عقوبات الأمم المتحدة الخاصة بمالي؛ أما ولد الطاهر فلا يذكر التقرير أنه خاضع لنظام عقوبات.

بحسب التقرير، تستخدم الشبكة شركات نقل وتجارة مرتبطة بأفراد من العائلات لنقل الشحنات وغسل العائدات. وتتحرك كميات من جنوب مالي إلى غاو برا، فيما قالت مصادر للمبادرة إن شحنات تنقل أيضا جوا من باماكو لتجنب الطرق الخطرة والحصار الذي يفرضه تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين». ولم يثبت التقرير بصورة مستقلة كل رحلة، بل نسب رواية استخدام طائرات تجارية وخاصة، وحتى عسكرية، إلى مصادره الميدانية.

من غاو إلى ميناكا.. شراء المرور يوضح التقرير أن التشكيلات المسلحة لا تدير في الغالب سلسلة الكوكايين من مصدرها إلى وجهتها، بل تؤمّن مقاطع محددة لقاء المال. ويقول إن فرع «غاتيا» المرتبط بالجنرال الحاج أغ غامو عمل وسيطا لتأمين نقل شحنات مرتبطة بشبكة تلمسي من غاو عبر مناطق نفوذه، وإن عناصر أخفوا أحيانا الكوكايين في قوافل لوجستية عسكرية من دون علم الجيش المالي، وفقا لإفادات جمعها معدوه.

أما تنظيم «نصرة الإسلام والمسلمين» و«داعش في الساحل» فليسَا، وفق ما خلص إليه التقرير، المنظمين الرئيسيين للتجارة. ويتركز انتفاعهما على فرض رسوم وتأمين مرور الشحنات في مناطق نفوذهما، وهي آلية تختلف عن الرسوم المفروضة على السلع العادية. فعوضا عن تفاهم محلي عند حاجز، تتطلب شحنة الكوكايين اتصالا بين وسيط كبير ومسؤول رفيع داخل التنظيم، بحيث يُخطر المسؤولون الميدانيون مسبقا بعدم فتح الحمولة أو اعتراضها.

وبالنسبة للبضائع العادية، نقل التقرير عن سائق أن الرسم قد يبلغ نحو 100 ألف فرنك أفريقي، أي قرابة 152 يورو، للطن الواحد على طرق توجد فيها حواجز قرب إنديليمان وواتاغونا. ولم يتمكن معدوه من تحديد قيمة دقيقة لحماية الكوكايين، لكن مصادرهم قالت إن المقابل أعلى بكثير، وقد يدفع نقدا أو في صورة مركبات وأسلحة وذخائر.

ومنذ أواخر 2023، استفاد «داعش في الساحل» أكثر من تحول الطريق شرقا. وبحسب إفادات جمعها التقرير، كانت «غاتيا» تؤمّن بداية الرحلة من غاو، ثم تسلم الشحنة قرب تلاتايت إلى عناصر التنظيم لنقلها عبر منطقة ميناكا وصولا إلى منطقة تاهوا في النيجر. ويورد التقرير شهادة عن شحنة مرت عبر إنداغوبا باتجاه أوباري في ليبيا يوم 29 ديسمبر 2025، بالتزامن مع اشتباكات وقعت على مقربة منها. وتظل هذه التفاصيل روايات ميدانية منسوبة، لا سجلا قضائيا أو ضبطية معلنة.

النيجر.. انقلاب يقطع الحماية ثم يعيد تشكيلها

أطاح انقلاب يوليو 2023 ترتيبات حماية كانت قائمة في النيجر، فانخفضت الكميات وتعطلت بعض المسارات وانسحب وسطاء مؤقتا. واستمر الاضطراب حتى نهاية 2024، واتجه بعض الناشطين إلى تجارة الذهب غير الرسمية في شمال النيجر وجنوب الجزائر. لكن مصادر التقرير رصدت، منذ منتصف 2025، إعادة بناء الشبكات تحت مظلات جديدة بدلا من عودة النظام السابق كما كان.

ويربط التقرير هذه العودة بعناصر داخل «اتحاد النيجريين لليقظة والوطنية»، وهو كيان تأسس بقرار من وزارة الداخلية عام 2023 لدعم السلطة العسكرية، ثم مُنح صلاحيات للقيام بدوريات وإقامة نقاط تفتيش والمشاركة في مكافحة التهريب. وتقول مصادر المبادرة إن أفرادا مرتبطين به شاركوا، منذ منتصف 2025، في حماية قوافل المخدرات ونقلها واستعادة الشحنات المسروقة؛ وهي اتهامات ينسبها التقرير إلى مصادره ولا تتضمن المادة ردا منشورا من الاتحاد أو السلطات النيجرية.

ويورد التقرير واقعة وقعت في منطقة جادو قرب تغرابة في سبتمبر 2025. فقد تعرضت قافلة من 15 سيارة، قُدمت على أنها تنقل عمال منجم ذهب تشيباراكاتن، لهجوم نُسب إلى عناصر من «جبهة التغيير والوفاق في تشاد» المتمركزة في جنوب ليبيا. وبحسب شهود التقرير، استهدف المهاجمون السيارتين اللتين كانتا تحملان الكوكايين تحديدا، ثم طاردهم عناصر من الاتحاد برفقة أمنيين نيجريين يومين، قبل أن تأسر الجبهة ثمانية من أفراد الاتحاد. ولا توجد في التقرير وثيقة قضائية مستقلة تحسم طبيعة الحمولة أو مسؤولية المشاركين.

ليبيا.. حماية داخل مؤسسات منقسمة في ليبيا، يصف التقرير سوقا تستفيد من الانقسام السياسي من دون أن تكون الفوضى وحدها محركها. فالتشكيلات المسلحة المرتبطة بالسلطات في الشرق والغرب تؤمّن التخزين والنقل والممرات، وكثير منها يتبع اسميا وزارتي الدفاع أو الداخلية ويتقاضى رواتب رسمية. وفي غرب البلاد، تتوزع الحماية بين تشكيلات متعددة، ويكون الدفع أحيانا بجزء من الكوكايين أو بتخفيض سعره قبل بيعه في السوق المحلية.

أما في فزان وشرق ليبيا، فيقول التقرير إن سيطرة القوات التابعة لسلطات بنغازي على مساحات واسعة قللت قطع الطرق ووفرت قدرة أكبر على الحركة، لكنها أتاحت أيضا لشخصيات قريبة منها توسيع إيرادات غير مشروعة. وينسب التقرير إلى مصادر متعددة اتهامات لمسؤول عسكري كبير بحماية شحنات مخدرات والاستفادة منها، لكنه لا يسميه لأسباب قانونية. كما ينسب تسهيلات إلى جهات مرتبطة بحكومة طرابلس، مؤكدا أن الحماية السياسية والأمنية موجودة على جانبي الانقسام.

وأدت اشتباكات القطرون في فبراير 2025 إلى تجميد مؤقت للتهريب بين النيجر وتشاد وليبيا. وسرعان ما نُقلت مخازن ومسارات إلى بلدات أصغر في منطقة مرزق وإلى ممر السلفادور، وهو معبر صحراوي عند تخوم ليبيا والنيجر والجزائر. وقدرت مصادر مرتبطة بالشبكات، لا سجلات ضبط رسمية، مرور ما بين 60 و70 كيلوغراما من الكوكايين شهريا عبر الممر.

شبكة تتكيف ولا تختفي

تظهر الوقائع التي جمعها التقرير أن استمرارية تجارة الكوكايين لا تتوقف على غياب الحرب، بل على وجود جهة قادرة على بيع ضمان المرور. فعندما بقيت علاقات الحماية مستقرة في مالي وليبيا استمرت القوافل رغم تعدد القوى المسلحة، وعندما أسقط انقلاب النيجر شبكتها القديمة انكمشت التجارة إلى أن تشكلت ترتيبات بديلة.

ولا يثبت التقرير أن الكوكايين هو المصدر الأكبر لتمويل «نصرة الإسلام والمسلمين» أو «داعش في الساحل»؛ بل يرجح أن الخطف والذهب أكثر أهمية. لكنه يوثق كيف تتحول الطرق الخاضعة للمسلحين إلى مورد مالي، وكيف تمنح تجارة واحدة مصالح مشتركة لوسطاء ورجال أمن وتشكيلات موالية للسلطات ومتمردين وتنظيمات متطرفة، مع اختلاف أدوارهم وعدم جواز وضعهم جميعا في فئة واحدة.

يبقى الأثر المباشر على السكان أقل توثيقا من خريطة الشبكات. ويشير التقرير إلى توسع استهلاك الكراك، وبدرجة أقل مسحوق الكوكايين، في المراكز الحضرية بالساحل وليبيا، بما يضيف عبئا إلى خدمات صحية محدودة. كما أن عائدات الحماية تقوي جهات مسلحة وتغذي الحواجز والمخاطر على طرق يستخدمها المدنيون والتجار، لكنها تحتاج إلى بيانات صحية ومحلية أكثر تفصيلا لقياس حجم الضرر على المجتمعات.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي