تقارير

اتفاق ليبيا أمام اختبار فزان.. سوق السلاح يهدد دول الجوار

سبها - عين الساحل

مع دفع الأمم المتحدة نحو تنفيذ الاتفاق السياسي الليبي، يبرز ضبط السلاح في إقليم فزان، جنوب غرب البلاد، تحديا أمام توحيد المؤسسات، وسط مخاوف من انتقال ترسانات الميليشيات إلى دول الساحل عبر شبكات تجمع بين تجارة الأسلحة ونقل المقاتلين والوقود.

وفتح الاتفاق الموقع في طرابلس في 30 أغسطس مسارا لإجراء انتخابات خلال عامين. وبدأت اجتماعات متابعة تنفيذه في سبتمبر، فيما دعت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في 14 أكتوبر، إلى تجاوز الخلافات السياسية وتوحيد المؤسسات. ويتطلب تقدم هذا المسار ترتيبات أمنية تشمل مناطق الجنوب التي تربط ليبيا مباشرة بالنيجر وتشاد والجزائر.

وحذر معهد الدراسات الأمنية الأفريقي من أن تفكيك التشكيلات المسلحة ودمج أفرادها، دون جمع مخزونها ومراقبته، قد يدفعان كميات من الأسلحة إلى السوق السوداء. ويأتي التحذير في منطقة تمتلك بالفعل تجارا ووسطاء ووسائل نقل ومشترين، وتسمح حروبها المتداخلة بإعادة بيع السلاح وتشغيل المقاتلين على جبهات مختلفة.

فزان.. نفوذ عسكري وضبط متعثر

يمتد فزان حول سبها وأوباري وغات والقطرون، في مساحة صحراوية واسعة تصل المدن الليبية بالحدود الجنوبية. وتتمركز قوات تابعة للقيادة العسكرية في شرق ليبيا في أجزاء كبيرة منه، مع تفاوت قدرتها على ضبط المسالك الصحراوية وعلاقاتها بالتشكيلات المحلية والمجتمعات الحدودية.

وتظهر أحداث القطرون، جنوبي سبها وعلى الطريق المؤدي إلى النيجر، حجم هذه الصعوبة. ففي سبتمبر، أعقبت مقتل شاب من التبو مواجهات واعتقالات، ثم أعلنت مجموعة تسمي نفسها "قوة ثوار فزان" إغلاق الحدود الجنوبية أمام الشاحنات والنقل التجاري، احتجاجا على ما وصفته بحصار المدينة.

وجاء الإعلان وسط خلافات بشأن إجراءات مكافحة تهريب الوقود وتأثيرها في وصول المحروقات إلى السكان، وفق رصد مشروع "كريتيكال ثريتس" التابع لمعهد أمريكان إنتربرايز. وأظهر التصعيد قدرة مجموعات محلية على تهديد حركة التجارة، رغم انتشار قوات عسكرية في المنطقة.

وتوضح الباحثة أماندا كادليك، في دراسة نشرها المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية، أن محاولات إعادة ترتيب السيطرة على الجنوب دفعت مقاتلين تشاديين إلى الانتشار داخل فزان والعبور نحو شمال النيجر. كما أدت المواجهات إلى تغيير طرق نقل الوقود والسلاح بين ليبيا وتشاد والسودان.

وتقوم هذه الشبكات على توزيع الأدوار بين من يملك البضاعة ومن يؤمن النقل ومن يحمي المرور. ويمكن أن تتعاون جماعات متنافسة في شحنة محددة، ثم تتقاتل على الطريق نفسه أو على عائداته. وتسمح هذه المصالح باستمرار التجارة غير المشروعة مع تغير القادة والتحالفات.

من أسواق الجنوب إلى جبهات الجوار

في شمال مالي، يقدم تغير أسعار السلاح مثالا على ارتباط الجبهة العسكرية بمنافذ الإمداد الخارجية. فقد وثقت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة ارتفاع سعر بندقية كلاشنيكوف في غاو إلى نحو 600 ألف فرنك أفريقي في فبراير 2025، مقابل ما بين 200 ألف و300 ألف قبل العمليات التي غيرت السيطرة على شمال البلاد.

وربطت الدراسة الارتفاع بتعطل طرق التهريب وزيادة المخاطر والطلب. وحددت أوباري وغات في جنوب غرب ليبيا بين مراكز مرور الأسلحة، مع انتقال شحنات عبر شمال النيجر وصولا إلى مالي. كما رصدت دخول المسيرات ومكوناتها ضمن الإمدادات التي تسعى الجماعات المسلحة للحصول عليها.

وتكشف هذه الحركة عن سوق تتكيف مع إغلاق الطرق: ارتفاع الكلفة يدفع المشترين إلى البحث عن وسطاء ومسارات أخرى، فيما تتيح الأسلحة المستولى عليها خلال المعارك مصدرا إضافيا للبيع وإعادة التسليح.

وفي النيجر، رصد "كريتيكال ثريتس" خلال سبتمبر تجدد التعبئة لدى "الجبهة الوطنية للتحرير"، وهي حركة مسلحة مناهضة للسلطة العسكرية في نيامي. ونشرت الحركة مواد تجنيد بعد الإفراج عن قائدها محمود صالح من احتجاز في شرق ليبيا، مستفيدة من مناطق إسناد في النطاق الحدودي بين شمال النيجر وجنوب ليبيا وشمال غرب تشاد.

وقد اختبرت تشاد سابقا كلفة انتقال القوة المسلحة من ليبيا. ففي أبريل 2021، عبر مقاتلو "جبهة التغيير والوفاق" الحدود انطلاقا من قواعدهم الليبية وتقدموا جنوبا. وأعلنت السلطات مقتل الرئيس إدريس ديبي خلال المعارك التي أعقبت الهجوم، وفق رويترز.

تسوية تحتاج إلى السيطرة على المخازن والطرق

تضع هذه الوقائع دول الجوار أمام خطرين متزامنين: تسرب أسلحة من تشكيلات يعاد دمجها أو تفكيكها، وانتقال مقاتلين يفقدون مواقعهم أو مواردهم داخل ليبيا إلى جبهات أخرى.

وفي قراءة "عين الساحل"، يبقى ضبط فزان مرتبطا بالقدرة على تفكيك علاقات الحماية والتمويل التي تسمح باستمرار السوق. فقد تحتفظ سلطة ما بالمعسكرات والمدن الرئيسية، فيما تتولى جماعات محلية تنظيم المرور في المسالك البعيدة وتحصيل الأموال من الناقلين. كما أن إزاحة مجموعة من موقعها قد تنقل نشاطها عبر الحدود إذا بقي السلاح والتمويل متاحين.

ويزيد اعتماد السكان على التجارة والنقل من حساسية الإجراءات الأمنية. فالقيود الواسعة على الحركة قد تقطع إمدادات الوقود والغذاء عن البلدات الحدودية، وتوسع التوتر مع القوات المكلفة بضبطها، كما أظهرت أزمة القطرون.

ويدعو الباحث حسان كوني في معهد الدراسات الأمنية إلى ربط إدماج المقاتلين بجمع أسلحة تشكيلاتهم وجردها ووسمها وتسجيلها، وإلى تعزيز تبادل المعلومات والتعاون الحدودي بين الجزائر والنيجر وتشاد. وتشمل مقترحاته إدراج ضبط الترسانات ضمن ترتيبات التسوية الليبية، وبدء العمل عليها قبل اكتمال توحيد السلطة التنفيذية.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي