تقارير

جبهة حوض بحيرة تشاد.. عودة "الحرب الكبرى" وانهيار التفاهمات الإقليمية

عين الساحل - تقرير إخباري استقصائي

أعادت الهجمات على مواقع عسكرية في شمال شرق نيجيريا، أواخر أكتوبر 2026، إبراز قدرة الجماعات المسلحة في حوض بحيرة تشاد على تجديد الضغط على الجيوش. ففي 30 أكتوبر، أعلن الجيش النيجيري صد هجومين في بيتا بولاية بورنو وبوني يادي بولاية يوبي، ومقتل 48 مسلحاً وجندي واحد، وفق حصيلته الرسمية.

وجاءت المواجهات بعد دعوة وزير الدفاع النيجيري كريستوفر موسى، في 6 أكتوبر، إلى مراجعة بنية القوة المشتركة متعددة الجنسيات وقدراتها الاستخباراتية والقيادية واللوجستية وتمويلها. وتعكس الدعوة حاجة التحالف إلى التكيف مع تمرد يتغير، فيما تواجه آليات التعاون الإقليمي ضغوطاً سياسية وعسكرية متزايدة.

وبحسب تحليل نشره مشروع بيانات النزاعات المسلحة "ACLED" في 8 أكتوبر، تجاوزت وقائع العنف التي شارك فيها تنظيم "داعش – ولاية غرب أفريقيا" خلال 2026 إجمالي العام السابق بأكثر من 50%. وشكلت المواجهات مع القوات النيجيرية الغالبية الساحقة منها، بما يضع الحرب مع الدولة في مركز التصعيد، رغم الاقتتال بين الفصائل المسلحة. جغرافيا تمنح التمرد فرصة البقاء

تتشابك في بحيرة تشاد حدود نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون، وسط جزر ومستنقعات وقنوات تتغير قابليتها للعبور مع حركة المياه. وتتعرض المساحة المائية لتقلبات موسمية، فيما تشير دراسات جمعها البنك الدولي إلى تعافٍ نسبي للمياه منذ تسعينيات القرن الماضي، مع اختلاف مسارات الحوضين الشمالي والجنوبي.

وتمنح هذه البيئة الجماعات العارفة بمسالكها قدرة على الحركة والاختباء، فيما ترفع كلفة الإمداد والانتشار المستمر للجيوش. وقد أقر مجلس السلم والأمن الأفريقي، في مايو 2026، بنقص وسائل النقل الجوي والمنصات البرمائية ومعدات مواجهة العبوات والمسيّرات لدى القوة المشتركة. وتبقى السيطرة على موقع داخل البحيرة رهينة القدرة على إدامة الحضور فيه وتأمين اتصاله بمحيطه.

تمرد انقسم ولم ينته

تعود جذور الحرب الراهنة إلى تمرد 2009 في نيجيريا، ومقتل مؤسس الجماعة محمد يوسف، ثم إعادة تنظيمها بقيادة أبو بكر شيكاو. وبعد مبايعة "داعش" عام 2015، وقع الانقسام في 2016 بين "ولاية غرب أفريقيا" والجناح الذي احتفظ باسم "جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد"، المعروف باسم "بوكو حرام". ولم ينهِ موت شيكاو في مايو 2021 هذا الانقسام أو نشاط الجناح المنافس.

يمتلك تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" بنية أكثر انتظاماً، تضم مجلس شورى وتقسيماً إدارياً لمناطق نفوذه، مع حضور رئيسي في بورنو ويوبي ومحيط البحيرة. وتورد وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، في تقرير يناير 2026، تقديرات متفاوتة لقوته: بين أربعة وسبعة آلاف مقاتل في بعض المصادر، وبين ثمانية و12 ألفاً في أخرى؛ وهي تقديرات لا تتيح تثبيت تعداد راهن محسوم.

وفي المقابل، يرتبط جناح "باكورا" في "بوكو حرام" بمعاقل الجزر، ضمن تنظيم أقل انتظاماً يصعب تقدير أعداده. ويجمع نشاطه بين مهاجمة المواقع العسكرية والنهب والخطف وفرض الإتاوات. وتظل مناطق نفوذ الطرفين متنازعاً عليها؛ ففي نوفمبر 2025، تحدثت مصادر أمنية نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية عن خسائر كبيرة تكبدها تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" في معارك الجزر، من دون أن تعني تلك الجولة حسم السيطرة على البحيرة.

تحالف إقليمي تحت الضغط

بُني الانتشار الإقليمي للقوة المشتركة على أربعة قطاعات وطنية في الكاميرون وتشاد ونيجيريا والنيجر، بما يربط جبهات الشمال الأقصى الكاميروني وجزر البحيرة وشمال بورنو ومنطقة ديفا. غير أن إعلان النيجر الانسحاب من القوة، في مارس 2025، أحدث خللاً في هذا الإطار؛ وحذر الاتحاد الأفريقي لاحقاً من تداعيات تعليق مشاركتها على أمن الحدود وحركة المقاتلين والسلاح، داعياً إلى عودتها الكاملة.

لكن التعاون لم ينقطع كلياً. فقد أكد بيان للقوة المشتركة، في 5 يونيو 2026، استمرار الحاجة إلى تعزيز التعاون الثنائي بين نيجيريا والنيجر في تبادل المعلومات وتأمين الحدود. كما رحب الاتحاد الأفريقي بإطلاق عملية "ليك سانيتي 3" في أبريل. وبذلك تتمثل الأزمة في ضعف تماسك المنظومة واستمرارية التنسيق، مع بقاء قنوات وعمليات مشتركة قائمة.

وتكشف الجبهة التشادية صعوبة تثبيت المكاسب العسكرية. ففي 4 مايو 2026، أدى هجوم على قاعدة بركة تولوروم إلى مقتل ما لا يقل عن 24 عسكرياً، بحسب مصادر عسكرية وإدارية نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية. ووقع الهجوم بعد انتهاء حملة تشادية في فبراير 2025 كان الجيش قد أعلن عند ختامها زوال ملاذات الجماعة داخل الأراضي التشادية.

اقتصاد الجباية الذي يموّل الحرب

تساعد الموارد المحلية على تفسير قدرة التمرد على الاستمرار. فالصيد والزراعة وتربية الماشية والتجارة عبر الحدود توفر أنشطة تستطيع الجماعات إخضاعها للإتاوات، تحت مسميات منها "الزكاة". ووثق معهد الدراسات الأمنية فرض "ولاية غرب أفريقيا" رسوماً على المحاصيل والأسماك في الشمال الأقصى الكاميروني، واستخدام العنف لانتزاعها وتمويل عملياته ونظام حكمه المحلي.

ويذهب التنظيم أبعد من تحصيل الأموال؛ إذ يدير أجهزة للجباية والقضاء وضبط النشاط الاقتصادي، ويمنح تصاريح للتجارة والعمل داخل مناطق نفوذه. وتصف تحقيقات ميدانية اعتماد هذه المنظومة على وسطاء يجلبون السلع وقطع الغيار والأدوية من النيجر ومدن نيجيرية، وهو ارتباط يكشف حدود فكرة "الاكتفاء الذاتي" للجزر.

ولا تتطابق هذه البنية مع ممارسات جناح "باكورا"، الذي يحتفظ باعتماد أكبر على النهب والخطف، إلى جانب الجباية. كما أن استمرار السكان في الصيد أو التجارة تحت سلطة المسلحين لا يثبت تأييدهم لها؛ ففي بيئة يضعف فيها حضور الدولة، قد يكون الامتثال شرطاً للبقاء والوصول إلى الرزق.

المسيّرات وحدود المعسكرات الكبرى

أضاف استخدام المسيّرات المسلحة ضغطاً جديداً على القوات. وتوثق وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء انتقال "ولاية غرب أفريقيا" إلى استخدامها هجومياً منذ ديسمبر 2024، بعدما استُخدمت في الاستطلاع والدعاية. ويمنح هذا الاستخدام الجماعات وسيلة إضافية للضغط على الدفاعات، إلى جانب الغارات الليلية والعبوات الناسفة.

وتواجه هذه التهديدات استراتيجية "المعسكرات الكبرى" التي اعتمدتها نيجيريا منذ 2019، عبر تجميع القوات في قواعد أقوى. وقد رصد معهد الدراسات الأمنية تحسناً في قدرة الجيش على الدفاع، مقابل تراجع حماية السكان وسبل عيشهم في مناطق أخلاها الانتشار العسكري الأصغر. وهنا تظهر الفجوة بين منع سقوط القاعدة وتأمين المجال المحيط بها.

رصد وتحليل عين الساحل

ترى "عين الساحل" أن استمرار الحرب في حوض بحيرة تشاد يستند إلى قدرة الجماعات الإرهابية على تحويل موارد المنطقة وحركة سكانها إلى مصادر لتمويل القتال وتجديد النفوذ. وقد رسخ تنظيم "ولاية غرب أفريقيا" سلطته في مناطق من الحوض عبر الجباية وتنظيم التجارة وإخضاع السكان لأجهزته المحلية. وتؤمن صلاته بأسواق البر الرئيسي وشبكات الوسطاء تصريف المنتجات والحصول على الوقود والأدوية وقطع الغيار، بما يمنح معاقله في الجزر قدرة على الصمود واستعادة النشاط بعد الضربات العسكرية.

ويزيد التنافس بين التنظيم وجناح "باكورا" الصراع على الجزر والممرات التجارية وعائدات الجباية. وتستنزف المواجهات المتبادلة مقاتلي الطرفين، وتدفع السكان إلى تحمل أعباء إضافية من العنف والابتزاز والنزوح. وتبقى شبكات التمويل والإمداد عاملاً أساسياً في قدرة الفصائل على تعويض خسائرها ومواصلة الحرب.

وتكشف الهجمات المتكررة وتوسع استخدام المسيّرات عن فجوة في قدرة الجيوش على تثبيت الأمن حول مواقع انتشارها. فقد أتاح تجميع القوات في المعسكرات الكبرى تعزيز دفاعاتها، وصاحبه انحسار للحماية في بعض الأرياف والطرق. ومن هذه المساحات تستمد الجماعات فرص العودة، وتستعيد قدرتها على فرض الإتاوات والتأثير في حركة السكان. ويعمق اضطراب التنسيق الإقليمي هذه المشكلة، خصوصاً في المناطق التي تتقاطع فيها الحدود وتتباين أولويات القوات الوطنية.

وتحذر "عين الساحل" من ترسخ حرب استنزاف طويلة، تتجدد مواردها داخل الاقتصاد المحلي وتتسع كلفتها على المجتمعات الحدودية. ويقتضي تفكيك هذه المنظومة تأمين الطرق والأسواق، وحماية سبل العيش، واستعادة الإدارة والخدمات والقضاء في المناطق المتضررة، بالتوازي مع انتظام التعاون الأمني بين دول الحوض. وتظل قدرة السكان على العمل والتنقل بعيداً عن سلطة المسلحين المؤشر الأوضح على استعادة الدولة نفوذها وتثبيت نتائج عملياتها العسكرية.

مشاركة التقرير