داعش الساحل يستميل عصابات نيجيريا بخطاب الحماية والدعم
عين الساحل – تقرير خاص
كشفت تسجيلات صوتية عن حملة ينفذها تنظيم “داعش” في الساحل الأفريقي لاستمالة قادة عصابات مسلحة في شمال غربي نيجيريا، عبر عرض التعايش والمساندة، وتوظيف الخطاب الديني والمظالم المحلية لتوسيع نفوذه، وفق تحقيق للصحفي النيجيري يوسف أنكا.
والعصابات المعنية مجموعات مسلحة تنشط في أرياف وغابات شمال غربي البلاد، وتمارس الخطف وسرقة المواشي والابتزاز. وتتفاوت بين جماعات صغيرة وقوى يقودها زعماء نافذون، وقد ترتبط بمصالح وتحالفات محلية متغيرة. وهذه البيئة تختلف عن التنظيمات العقائدية، لكنها توفر لها مقاتلين محتملين وعلاقات داخل المجتمعات الريفية.
والمعني بالحملة فرع داعش في الساحل الأفريقي، الذي ينشط في مالي والنيجر ويسعى إلى ترسيخ حضوره داخل نيجيريا. واستمع رئيس تحرير “عين الساحل” إلى تسجيل باللغة الهوسا متصل بهذه الاتصالات، التي يعرض تحقيق أنكا تفاصيلها.
رسائل إلى قادة العصابات
ويكشف التحقيق عن مجموعة واتساب تضم قادة، بينهم بيلو تورجي وأدو أليرو ودوغو غيدي، تُتداول فيها رسائل التنظيم وتُناقش اعتراضاتهم. ويبرز “أبو موسى”، الذي يعرّفه أنكا بأنه نائب قائد خلية داعش في المنطقة، متحدثاً ووسيطاً في هذه الاتصالات.
وفي إحدى الرسائل التي نقلها أنكا، يعرض المتحدث التعايش قائلاً: “ستعيش الدولة بسلام معكم إذا لم تهاجمونا”. ويترافق العرض مع الحث على ترك الخطف وسرقة المواشي، وتوجيه العداء نحو الحكومة النيجيرية، وتقديم التنظيم بوصفه مدافعاً عن المظلومين.
وفي قراءة “عين الساحل”، يستهدف هذا الخطاب تخفيف مخاوف القادة من منافس وافد، وفتح علاقة تسمح له بالتأثير في رجالهم. والقبول بوجوده يمنحه مكسباً مبكراً، حتى مع احتفاظ العصابة باسمها وقيادتها. ثم يصبح استمرار التواصل فرصة لربط المصالح المحلية بأهداف التنظيم وإكساب القتال مبرراً دينياً.
مصالح العصابات وحسابات التنظيم
وتوضح دراسة ميدانية نشرها مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت في يناير 2026 أن بعض الجماعات الإجرامية الأضعف تتعاون مع فصائل متطرفة لتحسين موقعها أمام خصوم أقوى. وقد يستخدم قادة العصابات هذه العلاقات لتعزيز نفوذهم، بينما يقاومون تمدد حلفائهم حين يهدد استقلالهم.
ويفسر ذلك، في تقدير “عين الساحل”، جاذبية العرض لدى أفراد العصابات الصغيرة الذين يبحثون عن سند، ولدى المحبطين الذين يفتقدون المكانة أو الحماية. ويستفيد التنظيم من التعامل مع جماعات قائمة لها رجالها وعلاقاتها، بما يختصر عليه بناء حضور محلي من الصفر.
وتظهر حدود الاستمالة في موقف دوغو غيدي، الذي يرفض تمدد داعش ويحذّر الآخرين منه، بحسب أنكا. وفي المقابل، يورد التحقيق تدخل أدو أليرو لاحتواء خلاف أعقب مهاجمة عناصر التنظيم عصابة محلية، ثم اعتذارهم عن الواقعة.
وتوثق دراسة ويست بوينت سوابق لتعاون دوغو غيدي مع فصائل متطرفة ثم مواجهتها دفاعاً عن نفوذه. كما تؤكد أهمية الروابط الشخصية والدينية في تجنيد الأفراد، وقدرتها على تجاوز الفواصل التنظيمية. وتساعد هذه السوابق على فهم تعدد المواقف داخل بيئة العصابات، بعيداً عن افتراض انضمامها كتلة واحدة.
استثمار الإحباط والحرمان
ويؤكد “عين الساحل” أن هذا النهج معروف لدى التنظيمات المتطرفة؛ فهي تستغل الإحباط وأزمات العيش، وتستميل أفراد العصابات الصغيرة وشبان القرى الفقيرة والمنهكة بالعنف. وتلتقي حاجة الفرد إلى الدخل أو الاعتبار بحاجة القرية إلى الأمان، فتجد الجماعة المسلحة مدخلاً إلى بيئة فقدت الثقة بقدرة السلطات على حمايتها.
وفي الحالة النيجيرية، رصد بحث ميداني نشرته مؤسسة “غود غفرننس أفريكا” في يوليو 2026 اتصالات للتنظيم بسكان قرى في ولايتي سوكوتو وكيبي ووعوداً بالحماية. واستند البحث إلى مقابلات في 13 قرية وتحليل 16 رسالة منسوبة إليه، ما يضع مخاطبة العصابات ضمن حملة أوسع للوصول إلى المجتمعات الريفية.
وتدعم دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي “رحلة إلى التطرف في أفريقيا”، الصادرة عام 2023، أهمية دوافع العيش في التجنيد. فقد ذكر ربع المنضمين طوعاً الذين شملتهم أن فرص العمل كانت دافعهم الرئيسي، وقال 40 بالمئة إنهم كانوا بحاجة ملحة إلى مصدر رزق وقت التجنيد. وشملت الدراسة قرابة 2200 شخص في ثماني دول أفريقية.
ويرى “عين الساحل” أن التنظيمات تعيد توظيف هذه الحاجات بحسب الجمهور الذي تخاطبه: دعمٌ ونفوذ لأفراد العصابات، وحمايةٌ لسكان القرى، وانتماءٌ ومكانةٌ للمحبطين. ويحمل خطاب نصرة المظلومين محاولة لتحويل الغضب من التهميش أو الاعتداءات إلى قبول بسلطة الجماعة وأهدافها.
وتكمن خطورة ما يجري شمال غربي نيجيريا في احتمال توسيع قاعدة داعش داخل بيئة مسلحة واجتماعية قائمة. فالاستمالة الناجحة تتيح له كسب متعاونين ومجندين، وتخفيف مقاومة وجوده قبل إعلان أي اندماج. ولهذا يضع “عين الساحل” استمرار الحرمان وغياب الحماية في صلب الإنذار؛ فهما يبقيان أبواب الاستقطاب مفتوحة، ويجعلان الوعود المسلحة أكثر قابلية للتسويق في المجتمعات المنهكة.
