تحقيقات

ذهب "تيبستي".. مناجم تشعل القتال وتغذي شبكات التهريب

صورة لأحد مناجم الذهب في تيبستي (أ ف ب)

إنجامينا - عين الساحل

أعادت المواجهات في منطقة مسكي شمال تشاد فتح ملف الذهب في جبال تيبستي، حيث تتداخل مصالح السكان والمنقبين والجيش مع نشاط جماعات مسلحة وشبكات تهريب، في منطقة تربطها مسالك صحراوية بليبيا والنيجر.

وقتل ضابطان وأصيب تسعة عسكريين في اشتباكات يوم 14 أكتوبر، اتهم الجيش “لجنة الدفاع الذاتي في مسكي” بالمسؤولية عنها. وأعقبتها عمليات تمشيط أعلن خلالها اعتقال أربعة مشتبه بهم وضبط عشرة أسلحة، بينها قاذفان وسلاحا قنص. وطالبت القيادة العسكرية المجموعة بتسليم سلاحها، محذرة من اعتبار رفضها “عملا تمرديا”.

وتأتي الجولة الجديدة رغم اتفاق سلام أبرمه الطرفان في أبريل 2025، وبعد زيارة وفد حكومي إلى مسكي مطلع أكتوبر لمتابعة تنفيذه. وفي خلفية المواجهة، يستمر الخلاف على إدارة مواقع الذهب وحقوق السكان فيها وحدود انتشار القوات الحكومية.

الذهب يغير خريطة الصحراء

منذ اكتشاف الذهب في شمال تشاد عام 2012، استقطبت المنطقة منقبين وتجارا وعمالا من تشاد والسودان وليبيا والنيجر ودول أخرى. ونشأت حول الحفر أسواق للمعدات والوقود والمياه والغذاء والنقل، وأصبحت السيطرة على هذه الخدمات وممراتها مصدرا للمال والنفوذ.

ويستخرج جانب كبير من الذهب بوسائل حرفية، ثم يشتريه تجار من المنقبين وأصحاب المواقع لإعادة بيعه. ووثقت المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود انتقال ذهب كوري بوغودي، أحد أبرز حقول الشمال، إلى نجامينا أو الأسواق الليبية، واستخدام المعدن نفسه في دفع ثمن السلع والمعدات، وأحيانا الأسلحة.

ولا تقتصر الأرباح على بيع الذهب. فقد وثقت المبادرة استقدام عمال مقابل تمويل رحلاتهم، ثم إلزامهم بالعمل لسداد تكاليف النقل والطعام والمعدات، في ترتيبات قد تتحول إلى استغلال وعمل قسري.

جماعات مسلحة وعصابات.. بأدوار مختلفة

تضم المنطقة قوى تختلف في أهدافها وصلتها بالتعدين. ففي مسكي، نشأت لجان محلية لمراقبة التنقيب وتحصيل رسومه، ثم تحولت إلى قوة دفاع ذاتي، مدفوعة بالخلاف مع السلطات والخشية من فقدان السكان السيطرة على مواردهم.

وقال تقرير لمجموعة الأزمات الدولية عام 2019 إن مطالب هذه القوة كانت محلية، تتعلق بالإدارة والتمثيل والاستفادة من الذهب. وتصاعد النزاع بعد نقل تبعية مسكي إداريا من تيبستي إلى بوركو عام 2018 وإقالة زعماء اعترضوا على القرار، ثم اندلاع مواجهات وفرض قيود على الإمدادات.

أما في كوري بوغودي، قرب الحدود الليبية، فوثقت أبحاث مستقلة وجود شبكات تجمع بين تهريب الذهب والسلاح والمخدرات والوقود وتهريب المهاجرين والسطو المسلح. وهذه الشبكات جزء من البيئة الأمنية لشمال تشاد، لكن وجودها لا يثبت مسؤوليتها عن اشتباكات مسكي الأخيرة.

وتنشط في المجال الحدودي أيضا جماعات معارضة تشادية اتخذت من جنوب ليبيا قواعد لها، بينها “المجلس العسكري لإنقاذ الجمهورية” و“جبهة التغيير والوفاق في تشاد”. ووثقت المبادرة العالمية مواجهات بين الأولى والجيش قرب مواقع الذهب عام 2023، كما رصدت انتقال عناصر من جماعات تشادية إلى الحرب السودانية.

وتتيح هذه الحركة للمقاتلين الوصول إلى أسلحة وآليات وفرص للنهب والتهريب، بينما تبقى المناجم وممراتها موردا محتملا للتمويل والتجنيد.

الدولة تدخل المناجم

حاولت السلطات فرض رقابة مباشرة على التعدين. وبعد إغلاق كوري بوغودي إثر مواجهات دامية عام 2022، أعيد فتحه في أكتوبر من العام نفسه تحت إشراف الشركة الوطنية للتعدين “سونيميك”، مع نشر قوات وتنظيم الدخول إلى المواقع.

وبحسب بحث نشر عام 2024، فرضت الشركة بطاقات تسجيل ورسوم دخول، وضرائب على معدات معالجة الذهب، بلغت في بعض الحالات بين ثلاثة وثمانية غرامات من الذهب شهريا بحسب نوع المعدات.

وساعد الانتشار الرسمي على تقليص السطو وبعض الأنشطة الإجرامية، لكنه أثار شكاوى من غموض القواعد وتطبيقها بصورة انتقائية. وهكذا أصبح الخلاف يشمل أيضا من يمنح التراخيص، ومن يجبي الرسوم، ومن يسمح له بالعمل.

وسبق أن أظهرت المنطقة قابلية النزاعات الصغيرة للتحول إلى عنف واسع. ففي مايو 2022، أعلنت السلطات مقتل نحو مئة شخص في اشتباكات بين منقبين في كوري بوغودي، أعقبتها أوامر بنزع السلاح وإخلاء المنطقة مؤقتا، وفق مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد.

مسكي في فوضى الساحل

ترى “عين الساحل” أن أزمة مسكي جزء من اضطراب أوسع يربط مناطق التعدين بممرات السلاح والمقاتلين عبر الساحل والصحراء. فضعف الرقابة على الحدود، والحرب في السودان، وتعدد القوى المسلحة في جنوب ليبيا، تجعل النزاعات المحلية قابلة للاستمرار بإمدادات وأسواق تقع خارج حدود الدولة.

وتكشف تجربة تيبستي حدود الانتشار العسكري وحده. فوجود القوات لا يمنع ظهور اقتصاد مواز إذا بقيت تجارة الذهب والجباية والنقل خاضعة للنفوذ المسلح أو الترتيبات غير المعلنة. وفي المقابل، فإن إغلاق المناجم دون بدائل يحرم السكان والعمال من دخلهم، ويمنح الجماعات المسلحة فرصة لاستقطاب المتضررين.

ولا تعني هذه الصورة أن شمال تشاد كله خارج السيطرة؛ فقد توسع الحضور الحكومي في مواقع محددة. لكن الفجوات بين تلك المواقع والحدود تبقي مجالا لحركة الشبكات التي تنقل نشاطها كلما اشتدت الرقابة في منطقة.

ثلاثة مسارات أمام التسوية

يبدأ مسار التهدئة بإحياء اتفاق أبريل 2025، الذي تضمن وقف العنف، وإدماج مقاتلين بعد تدريبهم، وتعويض المتضررين وإعادة الخدمات. كما نص على إلغاء تراخيص التعدين القائمة وتعليق النشاط في مسكي ومحيطها إلى حين إنجاز دراسات بيئية واجتماعية وفنية.

ويحتاج ذلك إلى لجنة متابعة تعمل فعليا، وجدول لتنفيذ الالتزامات، وتحقيق في الاشتباكات الأخيرة. فقد نقل “تشاد إنفو” عن مصادر حكومية أن لجنة المتابعة لم تشكل رسميا، رغم الاجتماعات التي عقدت بشأنها.

أما التسوية الأطول أجلا، فتتطلب تسجيل مواقع التعدين والتجار، وإعلان الرسوم ومسارات بيع الذهب، وضمان استفادة السكان من العائدات، مع ملاحقة السلاح والاتجار بالبشر والابتزاز. ويظل التنسيق الحدودي مع ليبيا والنيجر ضروريا لمنع انتقال الشبكات بين المسالك الصحراوية.

والاحتمال الثالث هو استمرار المواجهة دون تسوية، بما يحمله من تعطيل للتعدين والإمدادات وتوسع في الاعتقالات والتعبئة المحلية. وقد دعا وسيط الجمهورية صالح كبزابو إلى ضبط النفس ومواصلة الحوار، فيما طالب وجهاء من تيبستي بوقف القتال، مؤكدين أن المواجهات السابقة لم تحسم الخلاف على موارد مسكي.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي