تيارات

فرنسا وروسيا في الساحل.. من يكسب معركة الرواية؟

منافسة إعلامية مستمرة بين الرواية الفرنسية والروسية في الساحل

بعد خروج الجيش الفرنسي من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، استمرت وسائل الإعلام الفرنسية في الوصول إلى جمهور داخل الدول الثلاث، رغم حظر بثها. وفي المقابل، بنت روسيا حضورا يتجاوز إرسال الجنود والسلاح، مستعينة بمؤثرين ووسائل إعلام وشركاء محليين يقدمونها حليفا للتحرر من النفوذ الغربي.

تكشف بيانات المشاهدة والتحقيقات المنشورة خلال العامين الأخيرين استمرار هذه المنافسة. لكن السؤال الأصعب يتعلق بما تتركه لدى الناس: هل تتحول متابعة الأخبار إلى ثقة بالدولة التي يأتي منها الإعلام؟ وهل يكفي مهاجمة فرنسا لإقناع السكان بجدوى البديل الروسي؟

فرنسا بقيت على الشاشات

في بيان نشرته "فرانس ميديا موند"، المجموعة العامة التي تضم إذاعة "آر إف آي" وقناة "فرانس 24"، في سبتمبر 2025، قالت إن فيديوهات القناة سجلت 3.5 ملايين مشاهدة شهرية على "يوتيوب" في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وجاءت هذه المشاهدات رغم تعليق بث المؤسستين في الدول الثلاث.

وقالت المجموعة إن 65% من مشاهدة فيديوهات خدمة "آر إف آي ماندنكان"، إحدى خدماتها باللغات الأفريقية، على "فيسبوك" جاءت من مالي وبوركينا فاسو. وتوضح هذه البيانات أن الحضور الإعلامي الفرنسي يخاطب جمهورا أوسع من المتحدثين بالفرنسية.

وفي بيان عن نتائج عام 2025 نشره موقع "أدوي نو" المتخصص في الإعلام في فبراير 2026، أكدت المجموعة استمرار متابعة محتواها رقميا في الدول الثلاث. غير أن دراسة "أفريكاسكوب" التي استند إليها ترتيبها في الإذاعة والتلفزيون شملت مدنا في ست دول أفريقية أخرى. أما بيانات الفيديو فهي أعداد مشاهدات، وقد يشاهد الشخص الواحد مواد متعددة؛ ولا تقيس تأييد السياسة الفرنسية.

تحتفظ باريس بذلك بوسيلة للوصول إلى مجتمعات تقلص حضورها العسكري فيها. وتبلغ المخصصات العامة لمجموعة "فرانس ميديا موند" 288 مليون يورو في 2026، وفق بياناتها المالية، لتغطية أنشطتها العالمية. وتؤكد المجموعة، في تعريفها بقواعد عملها، استقلال تحريرها عن السلطة السياسية.

وهنا تكمن حساسية العلاقة بين الإعلام والنفوذ: قد تستفيد دولة من حضور مؤسساتها الصحفية، لكن تقديم هذه المؤسسات بوصفها امتدادا مباشرا لسياستها يضعف المسافة التي تحتاجها لكسب ثقة جمهور مختلف معها. كما أن الإعلام الأفريقي الناطق بالفرنسية يضم مؤسسات محلية ذات مصالح وتوجهات مختلفة؛ اللغة وحدها لا تحدد الولاء السياسي.

روسيا تتحدث بأصوات مألوفة

تقدم دراسة نشرها "معهد الحوار الاستراتيجي" في أغسطس 2025 صورة لطريقة انتشار الخطاب المؤيد لموسكو. حلل الباحثون أكثر من 500 منشور وفيديو لستة مؤثرين يستهدفون جمهور مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ونشرت أمثلة التحليل أساسا بين 2022 و2025.

وجدت الدراسة رسائل متكررة: روسيا حليف أكثر موثوقية من الغرب، وفرنسا تواصل الهيمنة، وأوكرانيا ودول غربية تدعم الإرهاب في الساحل. وعرض المعهد هذه المزاعم باعتبارها روايات يروجها المؤثرون، لا حقائق أثبتها التحقيق.

كان معظم المحتوى المرصود فيديوهات بالفرنسية، يتحدث فيها المؤثر مباشرة إلى متابعيه. وتناقلت قنوات محلية ومواقع مقاطع ظهرت في إعلام روسي رسمي. وبذلك تستخدم موسكو اللغة نفسها التي ارتبطت تاريخيا بالنفوذ الفرنسي، مع وجوه تقدم خطابها باعتباره دفاعا عن أفريقيا وسيادتها.

وكشف تحقيق نشرته شبكة "فوربيدن ستوريز" في 27 مارس 2026 جانبا آخر من العمل خلف هذه الرسائل. استند التحقيق إلى تسريب يضم نحو 1400 صفحة، حصلت عليه صحيفة "ذا كونتيننت" الأفريقية، ووثق، بحسب الشبكة، مساعي لاستقطاب صحفيين وناشطين ضمن شبكة نفوذ روسية تعرف داخليا باسم "الشركة".

وفي تشاد، نقل التحقيق عن وثائق قضائية أن صحفيين تقاضوا مبالغ مقابل نشر مواد دعائية. وقال أحدهم إنه تعامل مع من قدموا أنفسهم بوصفهم صحفيين يعرضون التعاون. وأورد التحقيق أن الاتهامات ضد الصحفيين أسقطت بعدما أثبتوا حسن نيتهم.

تظهر هذه الوقائع استثمارا روسيا في الوسطاء المحليين وفي الشكل الصحفي للرسالة. لكنها تكشف أيضا أن ظهور محتوى مؤيد لموسكو على منصة أفريقية لا يعني، بالضرورة، أنه نشأ بمبادرة محلية مستقلة.

الإخفاق الأمني يضغط على الرواية الروسية

يرى الباحث النيجري رحمان إدريسا، في مقابلة نشرتها "لوموند" في مارس 2025، أن خطاب استعادة السيادة في الساحل تغذى من تقديم فرنسا باعتبارها العدو الرئيسي. وبحسب قراءته، أتاح ذلك للحكام العسكريين الظهور بمظهر من يستعيدون استقلال البلاد، بينما بقيت أزمات الأمن والحكم قائمة.

وتساعد هذه القراءة في فهم جاذبية الرسائل المؤيدة لروسيا: فهي تستثمر غضبا موجودا، وتربط الخلاص من العلاقة القديمة بوعد شراكة جديدة. وقد خلص "معهد الحوار الاستراتيجي" إلى أن المحتوى الذي درسه استغل المظالم والمشاعر المناهضة لفرنسا، مع تجاهل الانتهاكات والآثار السلبية المرتبطة بالحضور الروسي.

ويرى الصحفي عمر الأنصاري، المتابع لشؤون الساحل، أن روسيا كادت تكسب الجولة الإعلامية الأولى، مستفيدة من الغضب تجاه فرنسا ومن تقديم نفسها بديلا أمنيا قادرا على تغيير الوضع. لكن إخفاقات حضورها الأمني وتدهور الأوضاع مع استمرار تقدم التنظيمات المتطرفة أضعفت، في تقديره، الرسالة التي بنت عليها موسكو نفوذها.

ويقدر الأنصاري أن هذا التعثر أتاح للإعلام الناطق بالفرنسية، في باريس وعواصم غرب أفريقيا، استعادة قدر كبير من تأثيره. فالصحف والمواقع ومنصات التواصل وجدت في الهجمات المتواصلة وخسائر الجيوش مادة لتغطية الفجوة بين وعود الحماية الروسية ونتائجها على الأرض، بعدما استفادت موسكو في البداية من إخفاق الرهان الأمني الفرنسي.

وبحسب هذه القراءة، تغير موقع روسيا في النقاش العام: انتقلت من بديل يعد بتصحيح أخطاء الشريك السابق إلى شريك يواجه الأسئلة نفسها عن استمرار العنف وعجز القوات عن حماية السكان. وأصبح تعثرها الأمني فرصة لمنافسيها الإعلاميين لتقويض صورة البديل الناجح التي روجتها.

يبقى هذا تقديرا لاتجاه التأثير، إذ لا تقدم بيانات المشاهدة المتاحة قياسا مقارنا للثقة بالطرفين. لكنها، مع الدراسات والتحقيقات، تكشف ساحة إعلامية مفتوحة تتغير فيها قوة الرسائل تبعا لما يجري على الأرض. فاستمرار الجمهور في متابعة وسيلة إعلام لا يمنح الدولة التي تنتمي إليها ولاءه، كما أن تكرار وعد الحماية لا يعوض غيابها.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي