تيارات

بين المنابر ومقاعد الحكم.. خرائط الإسلام السياسي في الساحل والسودان (1–9)

“عين الساحل” – خاص

تبحث هذه السلسلة جذور الإسلام السياسي في الساحل الأفريقي وامتداداته في غرب أفريقيا والسودان وليبيا، وتتتبع مصادر النفوذ وأدوات التعبئة وشبكات التمويل، وعلاقة الحركات الإسلامية بأزمات الدولة والصراع على السلطة. ومن موقع الإنذار المبكر، ترصد السلسلة كيف تتكون المشروعات الأيديولوجية، ومتى يتحول نفوذها إلى تهديد للتعددية ومؤسسات الدولة والسلم الأهلي.

لم تصل الحركات الإسلامية إلى السياسة من باب واحد. دخل بعضها عبر الجامعات والنقابات والانتخابات، وبنى بعضها الآخر قواعده في المساجد والجمعيات وشبكات التعليم والعمل الاجتماعي. وفي السودان، بلغ هذا المسار الاستيلاء على الحكم بانقلاب يونيو 1989، لتبدأ ثلاثة عقود من توظيف مؤسسات الدولة وأجهزتها في تثبيت السلطة، قبل سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019.

وفي السنغال ومالي، احتفظت الطرق الصوفية بنفوذ تاريخي واجتماعي واسع، بينما أخذت تيارات حركية وسلفية تنافس المرجعيات التقليدية على المنابر والتعليم وتمثيل المسلمين. وفي مناطق أخرى، استثمرت التنظيمات الإرهابية انهيار الأمن والمظالم المحلية لفرض سلطتها بالسلاح.

وراء هذا التباين سؤال تتبعه السلسلة: كيف تتحول المرجعية الدينية إلى قوة منظمة، وما الظروف التي تمنحها القدرة على التأثير في المجتمع أو السيطرة على مؤسسات الحكم؟

ووفق البروفيسور عبدالمنعم همت، الباحث في قضايا الإسلام السياسي والتطرف، لا يمكن اختزال هذه الظواهر في تنظيم واحد أو مشروع متجانس؛ إذ تتداخل في نشأتها عوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية، من بينها إرث الاستعمار، وتنافس النخب، وأزمات الحكم، وضعف الخدمات العامة، واتساع المظالم المحلية.

جذور متعددة.. من السودان إلى الساحل

بدأ النشاط الإسلامي المنظم في السودان خلال أربعينيات القرن الماضي، متأثرا بانتشار أفكار الإخوان المسلمين في مصر، وبحراك طلابي محلي تبلورت ضمنه حركة التحرير الإسلامي عام 1949. وتطور التيار عبر تنظيمات وانقسامات، وصولا إلى تأسيس جبهة الميثاق الإسلامي عام 1964 بقيادة حسن الترابي، في محطة وسعت انتقاله إلى العمل الحزبي والبرلماني.

ثم جاءت الجبهة الإسلامية القومية، المرتبطة بانقلاب 1989، لتفتح طريقا مختلفا: امتلاك السلطة وإعادة تشكيل مؤسساتها. وأصبحت التجربة السودانية نموذجا لفحص العلاقة بين التنظيم والأجهزة الأمنية والجيش والخدمة العامة، وكيفية إحلال الولاء السياسي داخل الدولة.

وفي ليبيا، تعود بدايات حضور الإخوان إلى عام 1949، مع وصول أعضاء مصريين وانتشار أفكارهم في أوساط محلية، قبل تبلور تنظيم أوضح عام 1968. وبعد انقلاب معمر القذافي عام 1969، تعرضت الحركة للملاحقة، ما دفع أعضاءها إلى العمل السري أو المنفى، حيث استمرت علاقات وشبكات خارج رقابة الداخل.

أما موريتانيا، فشهدت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بروز تيارات إسلامية حديثة، بينها اتجاهات متأثرة بفكر الإخوان، سعت إلى توسيع حضورها الدعوي والاجتماعي، ثم السياسي، وسط قيود فرضها النظام السياسي.

وفي مالي، أتاح الانفتاح الذي أعقب سقوط نظام موسى تراوري عام 1991 مجالا أوسع للجمعيات الإسلامية للمشاركة في الحياة العامة والتأثير في قضايا المجتمع والتشريع. وفي بوركينا فاسو، تطور النشاط الإسلامي عبر جمعيات ومؤسسات دعوية وتعليمية متعددة، تفاعلت مع التحولات الاجتماعية والتنافس داخل المجتمع الإسلامي.

وفي نيجيريا، تأسست جماعة “إزالة البدعة وإقامة السنة” عام 1978، وبرزت بمواجهة ممارسات الطرق الصوفية، قبل امتداد أفكارها وشبكاتها إلى النيجر. وشهدت النيجر بدورها توسع المجال الجمعياتي مع التحول السياسي عام 1991، بعد مرحلة أشرفت فيها الدولة على النشاط الديني عبر الجمعية الإسلامية للنيجر.

وتكشف هذه المسارات أن التنظيمات تشكلت داخل تجارب وطنية مختلفة، لكنها استفادت أيضا من انتقال الطلاب والدعاة والأفكار عبر الحدود، ومن الفرص التي فتحتها التحولات السياسية.

التنافس على المنبر والقرار

لم يكن المجال الديني أرضا خالية أمام الحركات الحديثة. فقد واجهت مرجعيات صوفية وعلماء ومؤسسات تقليدية تمتلك رصيدا اجتماعيا وشبكات تعليم ووساطة. ونشأ التنافس على من يملك حق تفسير الدين، وتمثيل المسلمين، والتأثير في خيارات السلطة والمجتمع.

ويقول همت لموقع “عين الساحل”: “هناك جماعات تعمل في الدعوة والتأثير الاجتماعي والسياسي، وأخرى تتبنى العمل المسلح وتسعى إلى فرض سلطتها على مناطق خارج سيطرة الدولة، إلى جانب الطرق الصوفية التي تمتلك نفوذا تاريخيا واجتماعيا، وتؤدي بعض قياداتها أدوارا سياسية ووساطات بين السلطة والمجتمع”.

وتتمتع الطرق الصوفية، ولا سيما التجانية والمريدية في السنغال، بامتدادات اجتماعية وتعليمية واقتصادية واسعة، منحت قياداتها تأثيرا في المشاركة الانتخابية وعلاقة قطاعات من المجتمع بالسلطة.

وفي المقابل، اعتمدت الحركات المتأثرة بفكر الإخوان على بناء شبكات من الطلاب والدعاة والمهنيين والجمعيات، وتوسيع حضورها في الجامعات والنقابات والأحزاب. وأتاح التنظيم تحويل المرجعية الدينية إلى برامج تتصل بالتشريع والحكم والهوية.

وهنا يصبح تتبع البنية التنظيمية ضروريا: من يقود، وكيف تتخذ القرارات، وما العلاقة بين الواجهة الاجتماعية والمشروع السياسي؟ فالحضور الجماهيري وحده لا يكشف حجم النفوذ، خصوصا حين تتوزع أنشطة التيار بين مؤسسات تحمل أسماء ووظائف مختلفة.

من بناء الكوادر إلى منافسة الدولة

أسهمت المدارس والمعاهد والجامعات الدينية في تكوين بعض القيادات والكوادر، ووفرت فضاءات للتعارف وتبادل الأفكار وبناء علاقات تجاوزت الحدود الوطنية.

لكن تقدير دورها السياسي يتطلب تتبع المناهج والقيادات وشبكات الخريجين وصلاتهم التنظيمية. وتظهر أهمية التعليم في هذه القراءة حين يصبح وسيلة لإعداد كوادر لمشروع سياسي، أو لتكريس خطاب إقصائي، أو لبناء ولاءات تتقدم على استقلال المؤسسات ووظيفتها العامة.

وفي السودان، أظهرت تجربة الحكم خطورة اجتماع التنظيم السياسي مع أدوات الإكراه وموارد الدولة. وفي مالي والنيجر وبوركينا فاسو، اتخذ التهديد المسلح مسارا آخر، مع توسع تنظيمات مرتبطة بالقاعدة وداعش في مناطق ضعفت فيها سلطة الحكومات.

ويشير همت إلى أن تراجع الأمن والمؤسسات أسهم في اتساع نفوذ هذه الجماعات حتى أصبحت تنافس الدولة في بعض وظائفها، لكنه يشدد على أن ذلك لا يعني سيطرتها على الحكومات، كما أن الأنظمة العسكرية لا تمثل بالضرورة الإسلام السياسي.

وتبدأ وظيفة الإنذار المبكر عند رصد التحولات التي تسبق الخطر: احتكار التمثيل الديني، وتخوين الخصوم، ورفض التعددية، وبناء ولاءات تنظيمية داخل المؤسسات، وتبرير الإكراه والعنف. وتثبت خطورة كل مؤشر من خلال المواقف والممارسات، والقدرة الفعلية على التعبئة والتنفيذ.

من هذه الجذور تتابع الحلقة المقبلة انتقال الحركات من الدعوة والعمل الاجتماعي إلى السياسة: كيف بنت تنظيماتها، ووسعت قواعدها، وحولت النفوذ الديني إلى مطالب تتعلق بالتشريع والسلطة؟

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي