تقارير

مجزرة في ذهب بوركينا.. "القاعدة" تقتل المنقبين وتحرق أرزاقهم

عين الساحل: تقرير وتحليل

قتل تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، فرع القاعدة في الساحل، 24 مدنياً وأصاب 20 آخرين على الأقل في هجوم على موقع سوبو للتنقيب عن الذهب شمال بوركينا فاسو، وفق تحقيق نشرته "هيومن رايتس ووتش" في 4 نوفمبر. وأحرق المهاجمون مساكن العاملين ومعداتهم ومصادر رزقهم.

وقع الهجوم في الأول من سبتمبر، عندما اقتحم أكثر من 60 مسلحاً على دراجات نارية الموقع القريب من واهيغويا في محافظة ياتينغا. أطلقوا النار على النائمين والعاملين والفارين، ودمّروا مئات المنشآت المؤقتة. وكان نحو ألف شخص في المكان، بينهم منقبون وتجار وأصحاب مطاعم وأطفال.

استند التحقيق إلى 15 مقابلة، والتحقق من أربعة مقاطع مصورة، وتحليل صور أقمار صناعية وبيانات حرائق. وأفاد الشهود بأن الجيش والميليشيات الموالية له لم يكونوا موجودين في الموقع أثناء الهجوم.

ويرى "عين الساحل" في إحراق أماكن السكن والعمل ممارسة للأرض المحروقة ضد مجتمع يعيش من التنقيب. فالمهاجمون قتلوا العاملين ودمّروا وسائل استمرارهم في الموقع، وفرضوا بالقوة قرار الرحيل على الناجين. وتتصل هذه الجريمة بصراع أوسع على الأرض والذهب، وعلى من يحق له العمل فيهما.

ذهب تحت حكم السلاح

تشرح دراسة للمبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود و"أكليد"، صدرت في ديسمبر 2024، كيف رسّخ التنظيم نفوذه في مواقع تعدين حرفي ببوركينا فاسو عبر السماح باستمرار العمل وفرض إتاوات مقابل الحماية أو الامتناع عن التعرض للعاملين. وبنى ترتيبات مع أصحاب الأراضي ومجتمعات التعدين، مستفيداً من حاجة السكان إلى الدخل ومن القيود الحكومية على نشاطهم.

وتبين الدراسة أن هذه الترتيبات تختلف بين المناطق ومراحل السيطرة، وأن قبول السكان التعامل مع مسلحين يرتبط بإمكان الوصول إلى العمل والحماية. كما ترصد استغلال التنظيم التذمر من القيود المفروضة على التعدين لتقديم نفسه مدافعاً عن مصالح المنقبين. وتصبح سلطة السماح بالدخول إلى الموقع وفرض شروط العمل فيه أداة للتحكم في السكان وجباية المال منهم.

وهذه نقطة أساسية في قراءة "عين الساحل": المنقب الذي يدفع إتاوة كي يعمل لا يمنح التنظيم تفويضاً سياسياً. الخلط بين الخضوع للابتزاز والانتماء المسلح يجعل العامل هدفاً للعقاب، ويمنح التنظيم فرصة لاحتكار الحماية واستغلال خوف السكان من الجيش والميليشيات. وفي سوبو، يوضح اجتماع المنقبين والتجار وأصحاب المطاعم حجم المجتمع المدني الذي يتعرض للخطر عند تحويل موقع العمل إلى هدف عسكري.

وتكشف بيانات مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية حجم المصالح المحيطة بهذا النشاط؛ فقد مثّل التعدين 14.8 في المئة من اقتصاد بوركينا فاسو وأكثر من ثلاثة أرباع صادراتها عام 2023. وتشير المبادرة إلى ضعف تتبع الذهب، والتجارة غير المعلنة، والفساد والثغرات الجمركية، وهي عوامل تتيح للشبكات غير المشروعة الاستفادة من إنتاج مناطق النزاع.

القتل على الهوية يغذي الانتقام

وينقل تحقيق "هيومن رايتس ووتش" عن شهود أن مدنيين من الفولاني عملوا في الموقع تعرضوا سابقاً للقتل والانتهاكات على يد الجيش وميليشيات "متطوعي الدفاع عن الوطن"، بتهمة التعاون مع التنظيم. وربط الشهود هجوم سوبو بهذا الاستهداف. وروى أحد الناجين أنه سمع مسلحاً يقول: "طردتمونا، لكنكم لن تستغلوا هذا المكان".

في تقدير "عين الساحل"، تستغل القاعدة الاعتداءات على الفولاني لتحويل المظالم المحلية إلى تجنيد وانتقام مسلح. وتُحمّل مجتمعات أخرى مسؤولية أفعال الجيش والميليشيات، ثم تعاقب مدنييها بالقتل. الانتماء إلى الفولاني لا يجعل صاحبه عضواً في التنظيم، والعمل في منطقة تنشط فيها ميليشيات موالية للحكومة لا يحوّل المنقب إلى مقاتل.

وتقتضي مواجهة هذا النمط حماية العاملين وطرق وصولهم إلى مواقع التعدين، ومحاسبة مرتكبي المجازر والانتهاكات أياً كانت الجهة التي يقاتلون معها. أما طرد السكان من أعمالهم وتصنيفهم بحسب هوياتهم، فيوسعان مساحة الابتزاز والتجنيد. أمن مناطق الذهب يبدأ بضمان قدرة الناس على العمل والعودة إلى بيوتهم من دون الخضوع لمسلح يقرر من يبقى ومن يُقتل.

مشاركة التقرير