تيارات

مظالم الساحل.. كيف يحوّل المتطرفون الغضب إلى ولاء؟

نازحون في غاو شمال مالي بعدما أجبرهم النزاع على مغادرة منازلهم. صورة أرشيفية، 2012." حقوق الصورة: Cyprien Fabre / EC/ECHO

في مناطق من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تعرض التنظيمات المتطرفة نفسها بوصفها قادرة على توفير ما يفتقده السكان: الحماية، والفصل في النزاعات، والوصول إلى مصادر الرزق. ومن هذه الاحتياجات تدخل إلى حياة الناس، ثم تحاول ربط الإنصاف بقبول سلطتها وتفسيرها للدين.

ويصف تقرير لـمجموعة الأزمات الدولية، صدر في فبراير 2026، كيف بنى تنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبط بتنظيم القاعدة، جهازا إداريا محدودا في مناطق نفوذه، يتولى القضاء وفق تفسيره للشريعة، وجمع الضرائب، والرقابة على المجتمع. وهكذا يتجاوز تمدده السيطرة بالسلاح إلى التدخل في العلاقة اليومية بين السكان والسلطة.

لكن اللجوء إلى التنظيم لحل مشكلة لا يثبت الاقتناع بأفكاره، كما أن العيش تحت سيطرته لا يعني تأييده. وبين الحاجة إلى الحماية والولاء العقائدي مساحة تختلط فيها المصلحة والخوف والإكراه، وتحاول التنظيمات تحويلها إلى تبعية دائمة.

المظلمة تسبق الاقتناع

ترى الباحثة جيسيكا مودي، في مساهمة ضمن "مؤشر الإرهاب العالمي 2026" الصادر عن معهد الاقتصاد والسلام، أن الأدلة على كون الاقتناع العقائدي الدافع الأساسي للتجنيد في الساحل محدودة. وتضع الحاجة إلى الدخل والحماية في مقدمة العوامل التي تساعد التنظيمات على استقطاب أفراد جدد.

وتشير إلى استثمار هذه التنظيمات التوترات بين الرعاة والمزارعين، وتقديم نفسها حليفا للفئات المهمشة. كما ترى أن استهداف تجمعات سكانية بصورة عشوائية، أو الاعتماد على ميليشيات ضعيفة التدريب، قد يعزز المظالم التي يستفيد منها المتطرفون.

وتساعد دراسة أقدم لـبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صدرت عام 2023 بعنوان "رحلة إلى التطرف في أفريقيا"، على فهم لحظة الانتقال إلى التنظيم. فقد قال 48% من المنضمين طوعا الذين شملتهم الدراسة إن واقعة محددة حسمت قرارهم. ومن هؤلاء، ذكر 71% إجراءات حكومية، بينها قتل أقارب أو أصدقاء أو اعتقالهم، بوصفها الواقعة التي دفعتهم إلى الانضمام. وهذه نتائج لعينة أفريقية متعددة البلدان، وليست نسبة تخص مجندي الساحل وحدهم.

لا تجعل هذه النتائج الاعتداء سببا آليا للتطرف. لكنها تكشف أن قرار حمل السلاح قد ينطلق من تجربة شخصية مع الظلم، قبل أن يكتسب تبريرا دينيا. ويشير التقرير الأممي إلى أن الخطاب الديني يستطيع جمع المظالم القائمة والشعور بالتهديد داخل هوية مشتركة تمنح التجنيد قوة إضافية.

في هذه القراءة، يمنح التنظيم الغاضب تفسيرا لما أصابه، وانتماء إلى مجموعة تتعهد بنصرته. والخطر يبدأ حين تتحول المطالبة بمحاسبة المعتدي إلى قبول عنف أوسع، يحدد التنظيم أهدافه وحدوده.

الحماية التي تفرض الطاعة

يظهر دور العقيدة بوضوح عندما تصبح الحماية مدخلا إلى الحكم. فالتنظيم الذي يفصل في نزاع يستطيع تقديم قراره باعتباره حكما دينيا، ويطلب من السكان الامتثال له بهذه الصفة. وبذلك يجمع سلطة السلاح مع ادعاء امتلاك الجواب الشرعي.

وتشير مجموعة الأزمات الدولية إلى أن تمدد "نصرة الإسلام والمسلمين" نحو دول جنوب الساحل بدأ في بعض المناطق بنشاط دعوي متكتم، أعقبته هجمات علنية على القوات الحكومية والمدنيين. وهذا يوضح أن الدعوة والعمل المسلح يمكن أن يكونا جزءين من مشروع واحد لتوسيع النفوذ.

ومع ذلك، لا يضمن التجنيد توحيد القناعات. فالتقرير نفسه يلفت إلى مخاوف قيادة التنظيم من أن يأتي المنتسبون الجدد بأهدافهم الخاصة، بما يخلق توترات داخلية. وقد يلتقي الباحث عن الحماية مع صاحب مشروع عقائدي داخل التنظيم نفسه، من دون أن تتطابق غاياتهما.

وهنا يصبح التمييز ضروريا بين نفوذ التنظيم وانتشار أفكاره. فدفع المال أو قبول وساطته أو الالتزام بأوامره قد يعكس القدرة على الإكراه وغياب البدائل. ولا تكفي هذه السلوكيات وحدها لقياس مقدار التأييد الذي يحظى به بين السكان.

حين يصبح المدني مخالفا

تكشف وقائع حديثة في مالي حدود وعد الحماية. ففي تقرير نشرته "هيومن رايتس ووتش" في 28 يونيو 2026، وثقت إحراق مقاتلي "نصرة الإسلام والمسلمين" مركبات مدنية كانت متجهة إلى العاصمة باماكو خلال مايو، بذريعة خرق الحصار الذي أعلنه التنظيم.

وفي واقعة قرب العاصمة، قالت المنظمة إن المركبات لم تحمل أسلحة أو معدات عسكرية، ولم تكن قوات عسكرية موجودة في محيطها. ونقلت عن ركاب أن المسلحين أمروهم بالنزول قبل إشعال النار في وسائل نقلهم.

وفي رده على المنظمة بتاريخ 15 يونيو، برر التنظيم معاقبة من يخالفون أوامره المتعلقة بمناطق السيطرة والحصار بالاستناد إلى ما وصفه بأحكام الشريعة، وقال إن العقوبات تتفاوت بحسب المخالفة. هذا تبرير صادر عن التنظيم، الذي جعل سفر المدنيين خاضعا لقواعد يفرضها بنفسه.

تكشف الواقعة تحولا في وظيفة الخطاب: فالسلطة التي تقدم نفسها طريقا إلى الإنصاف تستخدم المرجعية الدينية لتسويغ معاقبة أشخاص على التنقل وكسب الرزق. وتصبح حماية الناس مشروطة بطاعتهم، بينما يحتكر حامل السلاح تعريف المخالفة وتحديد العقوبة.

وتقود هذه المعطيات إلى أن مواجهة التجنيد تستلزم استعادة الثقة بالعدالة والحماية العامة. فالمظلمة التي تبقى بلا إنصاف تمنح التنظيم مادة لتبرير وجوده، والعقاب الجماعي يمنحه مظالم جديدة. أما مقاومة سلطته الفكرية فتبدأ أيضا بإثبات أن حقوق الناس لا تتوقف على حمل السلاح أو الخضوع لمن يحمله.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي