تقارير

القاعدة وداعش يصعّدان صراعهما في الساحل.. معارك حدودية وحرب دعاية

مقاتلون يظهرون في تسجيل دعائي منسوب إلى جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" في مالي.

باريس - عين الساحل

تصاعدت المواجهات بين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، التابعة للقاعدة، وفرع تنظيم "داعش" في الساحل، خلال سبتمبر وأكتوبر 2026، في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وترافق القتال مع نشر حصائل وصور دعائية، بعدما بثت "نصرة الإسلام والمسلمين" تسجيلات لأسرى وأسلحة قالت إنها استولت عليها في هجماتها الأخيرة داخل مالي.

وأعلن "داعش" مقتل أكثر من 400 مقاتل من الجماعة في معركة وقعت في 9 أكتوبر قرب غوناداوري، بإقليم أودالان في شمال بوركينا فاسو، قرب الحدود مع مالي والنيجر. ونشرت صحيفة "النبأ" الدعائية التابعة للتنظيم هذه الحصيلة في عددها الصادر في 15 أكتوبر، بحسب وكالة "نوفا" الإيطالية.

ونقلت وكالة "فيدس" عن "أعماق"، المنصة الدعائية لداعش، رواية تقول إن التنظيم صد هجوما واسعا لمنافسه، وأوقع خسائر في مقاتليه وأسلحته ودراجاته النارية. ولم تتأكد حصيلة القتلى من مصدر مستقل، فيما أفادت "نوفا" في 16 أكتوبر بأن "نصرة الإسلام والمسلمين" لم تكن قد أصدرت بيانا عن المعركة.

تسجيلات الأسرى والأسلحة

جاء إعلان "داعش" بعد أسابيع من تسجيلات بثتها "نصرة الإسلام والمسلمين" عن هجومها على معسكر ديورا، في منطقة موبتي بوسط مالي، يوم 10 سبتمبر. ونشرت الجماعة عبر ذراعها الإعلامية "الزلاقة" مشاهد لعشرات الرجال الذين قدمتهم باعتبارهم جنودا أسرى، معلنة قتل 150 عسكريا وأسر 93 آخرين. وقالت وكالة "أسوشيتد برس" إنها لم تتمكن من التحقق من هذه الأرقام.

وبحسب تقييم سابق نشرته مؤسسة "أفريكان سيكيوريتي أناليسيس" في 19 سبتمبر، أظهرت المواد المصورة بنادق ورشاشات وقاذفات وذخائر ومركبات. وميز التقييم بين المعدات الظاهرة في الصور والقائمة التي أعلنتها الجماعة، والتي تعذر التحقق مستقلا من كامل محتوياتها وأعدادها.

ونقلت وكالة فرانس برس في 18 سبتمبر عن مصادر عسكرية وأمنية ومحلية مقتل ما لا يقل عن مئة عسكري مالي وخمسة عناصر من "الفيلق الأفريقي" الروسي في ديورا. ولم يعلن الجيش حينها حصيلة رسمية، لكنه تحدث عن عمليات ضد المهاجمين. وهذه تقديرات مصادر تحدثت إلى الوكالة، وليست تأكيدا للحصيلة التي نشرتها الجماعة.

وامتد التصعيد إلى مطار سيفاري، القريب من مدينة موبتي، حيث أفادت رويترز في 21 سبتمبر باستمرار القصف ست ليال متتالية، نقلا عن أحد السكان. وجاءت هجمات سبتمبر بعد الهجوم الواسع الذي شنته الجماعة وحلفاؤها من جبهة تحرير أزواد في أبريل، وطال مواقع عسكرية ومدنا عدة، بينها محيط العاصمة باماكو.

وأظهرت شهادات جمعتها فرانس برس أثر تسجيلات الأسرى على عائلات العسكريين. فقد تعرف بعض الأقارب إلى أبنائهم وإخوتهم في المقاطع بعد تعذر الحصول على معلومات من الجيش. وبذلك أصبحت المواد التي ينشرها التنظيم، رغم غرضها الدعائي وظروف احتجاز الظاهرين فيها، مصدرا تلجأ إليه أسر تبحث عن مفقوديها.

ولا يثبت التعاقب الزمني أن منشور "داعش" كان ردا مباشرا على تسجيلات ديورا. لكن مضمونه قدم رواية عن هزيمة فرع القاعدة في الوقت الذي كانت فيه الجماعة تعرض نتائج هجماتها على الجيش المالي.

نفوذ متداخل على الحدود

تتركز المواجهات الأخيرة في نطاق يعرف باسم "ليبتاكو–غورما"، عند التقاء شرق مالي وشمال بوركينا فاسو وغرب النيجر. وتضم هذه المنطقة قرى ومراعي وطرقا تجارية عابرة للحدود، يتنافس التنظيمان على سكانها ومصادر تمويلها وممرات الحركة فيها.

ورصد تقييم نشرته "أفريكان سيكيوريتي أناليسيس" في 13 أكتوبر مواجهات حول تيسيت بشرق مالي وأودالان بشمال بوركينا فاسو. وخلص إلى أن المعلومات المتاحة لا تثبت بعد حدوث تحول حاسم في السيطرة نتيجة معارك أكتوبر.

وتتمتع "نصرة الإسلام والمسلمين" بانتشار جغرافي أوسع، يشمل أجزاء من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مع امتدادات إلى شمال بنين وتوغو، وهما دولتان ساحليتان إلى الجنوب. وتوضح مجموعة الأزمات الدولية أن هذا التوسع يوفر للجماعة مجندين وموارد ومناطق إمداد وانسحاب.

أما "داعش"، فتبرز مناطق نفوذه في ريف ميناكا بشرق مالي، وفي أجزاء من غرب النيجر، ومنها تيلابيري، وفي شمال بوركينا فاسو. ويوثق معهد هدسون أيضا امتداد نشاطه عبر حدود النيجر إلى شمال غرب نيجيريا. ولا تعني هذه الرقعة أن التنظيم يسيطر بصورة متصلة على جميع المدن والطرق داخلها؛ فقد سجل المعهد دخوله ميناكا ولابيزانغا في أبريل ثم انسحابه.

فرعان لشبكتين متنافستين

تأسست "نصرة الإسلام والمسلمين" عام 2017 بقيادة إياد أغ غالي، وهو قائد طوارقي مالي سابق، من اندماج جماعات مسلحة بينها "أنصار الدين" و"المرابطون" و"كتيبة ماسينا" والفرع الصحراوي لتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وبايعت قيادة القاعدة، وتحتفظ بهيكل قيادة ووحدات محلية في الساحل، وفق مجموعة الأزمات الدولية.

ونشأ فرع "داعش" من انشقاق قاده عدنان أبو وليد الصحراوي، الذي أعلن مبايعة التنظيم عام 2015، وقبلت القيادة المركزية بيعته في 2016. وأصبح الفرع "ولاية" مستقلة في هيكل داعش عام 2022، بعد إدراجه سابقا تحت مظلة "ولاية غرب أفريقيا"، التي يتمركز نشاطها أساسا في شمال شرق نيجيريا وحوض بحيرة تشاد.

وبحسب دراسة لمعهد هدسون صدرت في يوليو، يستمر التنسيق بين الفرعين عبر بنية داعش الإقليمية. ويظهر الارتباط الإعلامي في نشر أخبار فرع الساحل عبر "أعماق" و"النبأ"، اللتين تخاطبان جمهور التنظيم خارج المنطقة أيضا.

ورغم فترات التعايش السابقة، اتسعت المواجهات بين التنظيمين منذ 2019. وتربط دراسة نشرها معهد الأبحاث الاستراتيجية بالمدرسة العسكرية الفرنسية في سبتمبر هذا الصراع بالتنافس على الأرض والتجنيد، وبالخلاف حول التحالفات المحلية والتفاوض وفرض الأحكام على السكان. وتتهم دعاية "داعش" منافسه بالتساهل وعقد التسويات، بينما تتهمه "نصرة الإسلام والمسلمين" بالتوسع في التكفير وقتل المسلمين.

ويشمل التنافس فرض الضرائب والتحكم في الأسواق والرعي والتنقل. ويحذر التقييم الخاص بمعارك أكتوبر من تعرض السكان للانتقام والتجنيد القسري والنزوح؛ فانسحاب أحد التنظيمين من منطقة قد يتيح للآخر التقدم إليها، من دون عودة سلطة الدولة أو تحسن حماية المدنيين.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي