تقارير

إيران تبحث عن متنفس في الساحل.. اتصالات أمنية وشبكات تمويل

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الدفاع البوركيني سيليستان سيمبوري في طهران، فبراير 2026. الصورة: الحكومة الإيرانية.

داكار: عين الساحل

تكثف إيران اتصالاتها بدول الساحل وسط ضغط عسكري ومالي يضيق مواردها الخارجية، مستندة إلى عروض للتعاون الأمني والتقني، وعلاقات سياسية مع حكومات تبحث عن شركاء جدد. ويتزامن هذا التحرك مع استمرار ملاحقة شبكات مرتبطة بحزب الله في أفريقيا، ما يعيد طرح أهمية المنطقة في حسابات التمويل والنفوذ الإيراني.

وتظهر شدة الضغط في قطاع النفط، مصدر الإيرادات الرئيسي لطهران. فقد نقلت رويترز في 16 أكتوبر عن شركة "كبلر" لتتبع الشحنات أن صادرات الخام الإيرانية توقفت في سبتمبر، بينما تمكنت ناقلات محدودة من إخراج منتجات نفطية رغم الحصار البحري الأميركي.

وفي أواخر سبتمبر، أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استعداد بلاده لعقد اجتماع مشترك مع مالي والنيجر وبوركينا فاسو، الدول الثلاث الأعضاء في تحالف دول الساحل. ورحبت بوركينا بالمقترح، وأعلنت التشاور مع شريكيها بشأن ترتيباته. ويمنح الاجتماع، إذا انعقد، طهران قناة للتعامل مع التكتل الذي يتولى العسكريون قيادة دوله وتواجه أراضيه تمددا للتنظيمات المتطرفة.

اتصال بأجهزة الأمن والدفاع

أوضح مسارات التعاون المعلنة يوجد في النيجر. فقد وقعت نيامي وطهران بروتوكولا يشمل تبادل المعلومات والخبرات في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والمخدرات ومراقبة الحدود، وتشكيل لجنة خبراء تجتمع بالتناوب في البلدين. وتضمن الاتفاق إرسال عناصر من الشرطة والحرس الوطني النيجريين إلى جامعة الشرطة الإيرانية للتدريب، بحسب الحكومة النيجرية.

وفي مايو الماضي، بحث رئيس الوزراء النيجري علي محمد الأمين زين مع السفير الإيراني التعاون في الأمن والنفط والبتروكيماويات والصحة. ثم توسعت الاتصالات في سبتمبر إلى المرصد الوطني للاتصال، لبحث التعاون الإعلامي ومواجهة التضليل وتبادل الخبرات التقنية.

أما في مالي، فأعلن الجيش استقبال وفد يقوده مدير مركز التصدير بوزارة الدفاع الإيرانية خلال معرض باماكو للدفاع أواخر العام الماضي. وفي فبراير، بحث وزير الدفاع البوركيني سيليستان سيمبوري مع نظيره الإيراني عزيز نصير زاده توسيع التعاون العسكري في طهران. وتحدد هذه الوقائع طبيعة الجهات المتصلة: مؤسسات أمن داخلي ودفاع وتصدير عسكري، إضافة إلى القنوات الدبلوماسية.

وفي قراءة "عين الساحل"، قد تتيح هذه العلاقات لطهران توسيع الوصول إلى المسؤولين والمؤسسات والأسواق، في مرحلة تتزايد فيها حاجتها إلى منافذ خارجية. وقد تدفعها الضغوط إلى تنشيط شبكات مرتبطة بها وبحلفائها، مستفيدة من ضعف الرقابة في مناطق النزاع وحاجة الحكومات إلى الدعم. ويظل توظيف الاتصالات الرسمية للتحايل المالي احتمالا أمنيا، لم تثبته الاتفاقات المعلنة.

المال عبر التجارة والوسطاء

توجد خلف هذا الاحتمال سوابق محددة في غرب أفريقيا. فمنذ أواخر العقد الأول من الألفية، كشفت التحقيقات الأميركية مسارات استخدمت التجارة والتحويلات والوسطاء لنقل الأموال إلى لبنان، واتهمت أشخاصا وشركات بدعم حزب الله.

أحد أكبر الملفات تعلق بالبنك اللبناني الكندي. وبحسب الدعوى الأميركية، حُول ما لا يقل عن 329 مليون دولار إلى الولايات المتحدة لشراء سيارات مستعملة وشحنها إلى غرب أفريقيا، ثم أعيدت حصيلة بيعها إلى لبنان مع عائدات مخدرات عبر قنوات نسبتها السلطات إلى الحزب. وانتهى الشق الخاص بالبنك بتسوية مدنية ومصادرة 102 مليون دولار.

وتظهر صلة بإيران في ملف رجل الأعمال محمد إبراهيم بزي. فقد قالت الخزانة الأميركية إن أعماله، ومنها شركات طاقة ذات حضور في غامبيا وسيراليون وساحل العاج وبنين، وفرت ملايين الدولارات لحزب الله. وأضافت أنه تعاون مع عبد الله صفي الدين، ممثل الحزب في إيران، والبنك المركزي الإيراني لتوسيع الوصول المصرفي بين إيران ولبنان. وأقر بزي لاحقا بالتهرب من العقوبات في قضية تحويل عائدات عقارية أميركية إلى لبنان.

وفي غينيا، اتهمت الخزانة علي سعادة وإبراهيم طاهر بتحويل الأموال للحزب واستغلال النفوذ والرشوة. وأورد تقييم أميركي لمخاطر تمويل الإرهاب استخدام علاقات بمسؤولين لإخراج دولارات نقدية في حقائب عبر مطار كوناكري. وفي ساحل العاج، شملت عقوبات شبكة ناظم سعيد أحمد معرض "DIDA" في أبيدجان، ضمن ملف قالت واشنطن إنه استخدم الألماس والأعمال الفنية والسلع الفاخرة للتهرب من العقوبات.

وتواصلت الإجراءات في مايو 2025 بعقوبات على حسن عبد الله نعمة، الذي اتهمته الخزانة بإدارة معاملات بملايين الدولارات لحزب الله عبر أفريقيا، وتنسيق إيصال مئات آلاف الدولارات إلى الحركة الإسلامية في نيجيريا. وتتركز هذه الملفات في دول غرب أفريقيا الساحلية وجوار الساحل؛ ولا تثبت وحدها انتقال الشبكات إلى مالي والنيجر وبوركينا.

التأييد السياسي والسلاح

تقدم طهران تقاربها مع حكومات الساحل تحت شعار دعم السيادة ومواجهة التدخل الغربي. وخلال اجتماعات سبتمبر، شكر عراقجي مالي وبوركينا فاسو على التضامن مع إيران، وأدان الضغوط الأوروبية على دول المنطقة.

وتوفر القضية الفلسطينية مجالا آخر للتواصل والتعبئة. ففي نيجيريا، نظمت السفارة الإيرانية بالتعاون مع مؤسسة "الهدى" فعالية ليوم القدس هذا العام، وشهدت أبوجا تجمعا جمع التضامن مع فلسطين وتأييد إيران. وتوضح هذه الأنشطة كيف تضع طهران موقفها الإقليمي ضمن قضية تستقطب تعاطفا شعبيا واسعا، دون وجود قياس مستقل لحجم التأييد الذي تكسبه منها.

وفي الحرب المالية، ظهر امتداد عسكري للتكنولوجيا الإيرانية. فقد وثق تحقيق لـ"بيلينغكات" و"جون أفريك" استخدام مسيرات من عائلة "شاهد-136" في ضربتين خلال يوليو على إين أفراك وتالاهندك، قرب الحدود الجزائرية، بالاستناد إلى تحديد المواقع وصور الأقمار الصناعية وتحليل الحطام.

ورجح خبراء التحقيق تصنيع المسيرات في روسيا، بالنظر إلى حضور "الفيلق الأفريقي" والدعم الروسي لباماكو. وأثبت التحقيق دخول هذا النوع إلى القتال في مالي، بينما بقي المورد المباشر والمشغل وتفاصيل التعاقد غير معلنة.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي