تقارير

"الكويرة" تعيد الحدود إلى الطاولة.. ماذا تريد موريتانيا من المغرب في تسوية الصحراء؟

صورة من : Fotolar / Wikimedia Commons — CC BY 2.5 ES

نواكشوط - عين الساحل

أعاد اقتراح موريتاني بتشكيل لجنة لتوضيح الحدود النهائية والدائمة لإقليم الصحراء ملف الكويرة إلى النقاش بين المغرب وموريتانيا، في وقت دخلت فيه مفاوضات التسوية مرحلة أكثر تفصيلا، تجاوزت المواقف السياسية العامة إلى ترتيبات محتملة للمرحلة الانتقالية والحدود والأمن وتقاسم الموارد.

ولا تتحدث نواكشوط رسميا عن مطالبة بالكويرة أو مراجعة موقفها من نزاع الصحراء، بل تقول إن هدفها هو منع أي غموض حدودي قد ينتج عن التسوية مستقبلا.

وقال الناطق باسم الحكومة الموريتانية محمد ببانا، الأربعاء، إن بلاده متمسكة بـ"الحل السلمي والمتوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة"، مؤكدا أن قضية توضيح الحدود تهدف إلى تفادي غموض قد تكون له "آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية".

ونفى أن يكون الأمر مرتبطا بطلب تنازلات من موريتانيا أو بأي تحول جديد في موقفها.

ماذا طرحت موريتانيا؟

ظهر الملف في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة بشأن الصحراء، الصادر في الأول من أكتوبر تحت الرمز S/2026/781. وتؤكد قائمة مجلس الأمن الرسمية أن التقرير يتعلق بوضع الصحراء الغربية وبعثة "مينورسو".

وبحسب مضمون الفقرة الثامنة الذي نقلته مصادر بحثية وإعلامية، شددت موريتانيا خلال الجولة الثانية من المفاوضات في مدريد يومي 8 و9 فبراير على ضرورة إنشاء لجنة تتولى، بالتوافق، توضيح "الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه".

النص لا يذكر الكويرة بالاسم، ولا يتضمن مطالبة موريتانية بالسيادة عليها. لكن الجغرافيا أعادت اسم البلدة مباشرة إلى النقاش، إذ تقع الكويرة على مقربة شديدة من نواذيبو، العاصمة الاقتصادية لموريتانيا وأحد أهم موانئها ومراكزها الصناعية.

قراءة موريتانية: الحدود وليست السيادة

في نواكشوط، يميل جزء كبير من النقاش إلى الفصل بين أمرين: المطالبة بالأرض، التي تخلت عنها موريتانيا منذ 1979، وبين ضمان ألا تؤدي تسوية النزاع إلى إنشاء وضع حدودي جديد دون مشاركتها.

ويرى الكاتب والمحلل الموريتاني أحمد محمد حماده أن أي تسوية نهائية للصحراء ستنعكس مباشرة على حدود موريتانيا وأمن نواذيبو ومجالها البحري ومصالحها الاقتصادية.

ويعتبر أن طلب توضيح الحدود لا يعني استعادة مطالبة إقليمية، بل ضمان أن تكون موريتانيا طرفا في تحديد أي خطوط حدودية تمس أراضيها ومجالها البحري، بدلا من مواجهة ترتيبات تفرزها تسوية بين أطراف أخرى.

ومنذ اتفاق الجزائر في أغسطس 1979، تخلت موريتانيا عن مطالبها الإقليمية في الصحراء وانسحبت من الحرب، واعتمدت لاحقا سياسة تصفها بـ"الحياد الإيجابي" مع المحافظة على علاقاتها مع الأطراف المختلفة.

وكان الناطق السابق باسم الحكومة الموريتانية ماء العينين ولد أييه قد أكد في 15 أكتوبر أن موقف بلاده "ثابت"، وأن دورها يتمثل في تسهيل الوصول إلى حل يحظى باتفاق الأطراف، مضيفا أن تسريع التسوية يقتضي أن تطرح موريتانيا كل ما يمكن أن يساعد على إحراز تقدم.

المغرب: لا قراءة رسمية لأزمة حدودية

في المقابل، لا يوجد إعلان مغربي رسمي يعتبر المقترح الموريتاني مطالبة ترابية أو بداية خلاف حدودي مع نواكشوط.

وتذهب قراءات مغربية إلى أن الصياغة الموريتانية نفسها، التي تتحدث عن "التوضيح بالتوافق"، لا تحمل مطالبة بالسيادة، ويمكن التعامل معها ضمن ترتيبات التسوية النهائية.

وقال الصحافي الموريتاني الشيخ أحمد أمين في تصريحات لهسبريس المغربية إن تقرير الأمم المتحدة لا يقدم أي دليل على عودة موريتانيا للمطالبة بالكويرة، مشددا على وجود فارق بين ضبط الحدود عند التسوية وبين المطالبة بأرض جديدة.

ويرى عبد الوهاب الكاين، وهو فاعل مدني مغربي مهتم بالملف، أن إدخال الحدود في النقاش قد يكون مؤشرا على انتقال المفاوضات إلى قضايا عملية مرتبطة بمرحلة ما بعد التسوية، ولا يعني بالضرورة فتح نزاع جديد بين المغرب وموريتانيا.

وتبقى الرؤية المغربية للتسوية قائمة على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، التي تعتبرها الرباط أساس الحل السياسي، وهي الصيغة التي دافعت عنها مجددا في اتصالاتها الدبلوماسية خلال 2026.

لماذا الكويرة مهمة لموريتانيا؟

المسألة لا تتعلق بمساحة البلدة بقدر ما تتعلق بموقعها، فالكويرة تقع عند شبه جزيرة رأس نواذيبو وعلى بعد نحو 15 كيلومترا من المدينة الموريتانية، ما يجعل أي تغيير في وضع المنطقة أو بنيتها التحتية مرتبطا بصورة مباشرة بالمجال الأمني والاقتصادي لنواذيبو.

وتضم نواذيبو الميناء الرئيسي لتصدير خام الحديد الموريتاني، فضلا عن نشاط واسع للصيد البحري والملاحة والتجارة.

ولهذا تركز القراءات الموريتانية على ثلاثة اعتبارات: أمن الحدود، والمجال البحري، وتأثير أي ترتيبات اقتصادية أو لوجستية جديدة جنوب الصحراء على نواذيبو. ويقول محللون موريتانيون إن المصلحة الأساسية لنواكشوط هي ألا تنتهي تسوية النزاع السياسي بينما تبقى منطقة ملاصقة لأهم مدنها الاقتصادية في وضع قانوني أو حدودي غير محسوم.

ماذا يضيف ملف الحدود إلى تسوية الصحراء؟

وبحسب تقييم "عين الساحل" تكشف مسألة الحدود أن المفاوضات لم تعد تدور فقط حول السؤال التقليدي المتعلق بالشكل النهائي للحل. فالجولات التي جرت خلال الأشهر الأولى من 2026 ناقشت، وفق تقرير غوتيريش، قضايا أكثر تفصيلا، من بينها إمكانية إنشاء مجلس انتقالي، والضمانات الدولية، وتقاسم الموارد، والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية والأنظمة الانتخابية.

وفي هذا السياق، يصبح المقترح الموريتاني حسب قراءتنا، جزءا من سؤال أوسع، كيف سيتم تنفيذ أي اتفاق سياسي على الأرض، ومن سيضمن الحدود، وكيف ستعالج الآثار الأمنية والاقتصادية على الدول المجاورة؟

ومن الجانب المغربي، يمثل الانتقال إلى هذه الملفات دليلا، وفق قراءات في الرباط، على أن المفاوضات أصبحت تبحث تفاصيل التسوية وليس مجرد تبادل المواقف. لكن مسائل السيادة وتقرير المصير والضمانات النهائية لا تزال محل خلاف بين الأطراف.

أما موريتانيا فتتمسك بأن مشاركتها لا تعني التحول إلى طرف يطالب بجزء من الإقليم، وإنما ضمان ألا تنتج التسوية حدودا أو أوضاعا جديدة تمس أمنها أو مصالحها دون توافق معها.

وتستمر بالتوازي العلاقات المغربية الموريتانية والتنسيق الأمني بين البلدين، بما في ذلك ملفات مراقبة الحدود والهجرة والجريمة المنظمة ومخاطر منطقة الساحل.

وتبقى فكرة لجنة الحدود حتى الآن مقترحا مطروحا داخل المفاوضات، ولم يعلن عن اتفاق الأطراف على إنشائها أو عن أي تعديل للحدود، فيما يواصل مجلس الأمن بحث تقرير غوتيريش والمسار السياسي قبل اتخاذ قراره بشأن ولاية بعثة "مينورسو".

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي