تقارير

الهروب من دارفور.. جوع في مخيمات تشاد وخوف من الاعتقال في ليبيا

لم تفتح حرب السودان طريقا واحدا للنجاة. في غرب البلاد، دفعت المعارك والانتهاكات والجوع مئات الآلاف من سكان دارفور إلى عبور الحدود نحو تشاد، حيث استقر معظمهم في مواقع استقبال وتجمعات ممتدة على طول الشرق. واتجه آخرون شمالا وغربا نحو ليبيا، عبر حدود صحراوية واسعة، بحثا عن الأمان والعمل أو عن مكان يمكن أن يجمع الأسرة من جديد.

لكن الوصول إلى البلد المجاور لا يعني نهاية الخطر. في تشاد، يواجه اللاجئون ضغطا متزايدا على الغذاء والماء والمأوى والمدارس والخدمات الصحية، وسط عجز كبير في تمويل الاستجابة. وفي ليبيا، يعيش معظم السودانيين خارج نظام التسجيل، بين مدن الجنوب والساحل، في بيئة تزداد فيها مخاطر الاعتقال والاحتجاز والترحيل وتضيق فيها فرص السكن والعمل.

وتكشف بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن مسارين مختلفين للأزمة: استقبال جماعي واسع في تشاد، مقابل انتشار سكاني يصعب حصره في ليبيا. ولا تثبت هذه البيانات أن القادمين إلى البلدين سلكوا طريقا واحدا، أو أن انتقالهم ارتبط جميعه بشبكات تهريب أو اتجار.

تشاد.. أكثر من 940 ألف وافد منذ اندلاع الحرب

كانت تشاد تضم نحو 2.28 مليون شخص من النازحين قسرا حتى نهاية يوليو 2026، بينهم نحو 1.56 مليون لاجئ وطالب لجوء، وفقا لـمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وشكل السودانيون الكتلة الأكبر بنحو 1.385 مليون شخص.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، سجلت المفوضية وصول 940,612 سودانيا جديدا إلى تشاد. أما البقية فتشمل لاجئين سودانيين كانوا في البلاد قبل الحرب الحالية.

تركز الوجود السوداني في أربع ولايات شرقية محاذية أو قريبة من دارفور. استضافت وداي أكثر من 722 ألف لاجئ وطالب لجوء، ووادي فيرا نحو 356 ألفا، وسيلا أكثر من 189 ألفا، وإنيدي الشرقية نحو 118 ألفا. وضمت مدينة أدري الحدودية وحدها نحو 220 ألف شخص، بينما توزع آخرون على مواقع مخططة وقرى ومراكز استقبال تمتد من جنوب شرقي البلاد إلى شمالها الشرقي.

الأرقام منشورة في 10 أغسطس، لكنها تصف الوضع حتى نهاية يوليو. وهي لا تمثل عدد السودانيين الذين عبروا الحدود فقط، بل إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء المسجلين في تشاد. ويشكل الأطفال 58 في المئة من مجموع اللاجئين وطالبي اللجوء من مختلف الجنسيات في البلاد، فيما يعيش نحو ثلثيهم في مواقع مخططة.

الأمان لا يلغي الجوع والعطش

أبقت تشاد حدودها مفتوحة، لكن حجم الوصول تجاوز قدرة بلد يعاني أصلا ضعفا في البنية الأساسية وارتفاعا في معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

وحذرت مفوضية اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي، في بيان نشر في أبريل 2026، من أن أكثر من مليون لاجئ سوداني معرضون لتقليص المساعدات الغذائية والمياه والمأوى والحماية والرعاية الصحية. وقدرت الوكالتان فجوة تمويل الاستجابة بنحو 428 مليون دولار، بينها 289 مليونا تحتاج إليها المفوضية و139 مليونا يحتاج إليها برنامج الأغذية العالمي.

وقالت المفوضية إنها لا تستطيع مساعدة سوى أربعة من كل عشرة لاجئين في تشاد. وفي إنيدي الشرقية، كان اللاجئون يحصلون على أقل من نصف الحد الأدنى اليومي من المياه، بينما تجاوز عدد التلاميذ في معظم الفصول مئة طفل لكل معلم، بحسب ما نقلته رويترز عن الوكالتين.

ولا يقتصر الأثر على اللاجئين. ففي شرق تشاد، يستخدم القادمون والسكان المحليون الآبار والأسواق والمراكز الصحية والطرق نفسها. ومع كل موجة جديدة، تتوزع الموارد المحدودة على عدد أكبر من الناس، وترتفع كلفة نقل الماء والغذاء إلى مناطق بعيدة وضعيفة الطرق.

كما يهدد نقص المساعدة وسائل البقاء التي تعتمد عليها الأسر. فقد أفاد مسح للمجلس النرويجي للاجئين، أورده البيان الأممي، بأن 70 في المئة من أسر اللاجئين خفضت عدد وجباتها. وتخشى الوكالات أن يدفع استمرار التقليص العائلات إلى بيع ما تبقى من ممتلكاتها، أو إخراج الأطفال من المدارس، أو البحث عن عمل غير آمن، أو العودة إلى السودان قبل توفر شروط العودة الآمنة.

المرض داخل مواقع مزدحمة

أصبحت الكثافة السكانية ونقص المياه والرعاية الصحية جزءا من مخاطر النزوح. وفي أبريل، قالت منظمة أطباء بلا حدود إن تفشيا لالتهاب السحايا والحصبة أصاب مناطق استقبال اللاجئين في شرق تشاد، ولا سيما أدري.

وبين مارس وأبريل، استقبلت مرافق المنظمة 212 طفلا مصابا بالتهاب السحايا، توفي منهم 25. كما قاربت أقسام علاج المرضى طاقتها القصوى، بينما وصل أطفال مصابون بحصبة شديدة ومضاعفات تنفسية. ونفذت وزارة الصحة التشادية وأطباء بلا حدود حملات طارئة شملت تطعيم أكثر من 95 ألف طفل ضد الحصبة ونحو 338 ألف شخص ضد التهاب السحايا، وفقا لـرويترز.

وتظهر بيانات أحدث للمفوضية، تغطي الفترة من يناير إلى أغسطس 2026، استمرار تقديم الاستشارات الطبية والتطعيم وخدمات التغذية والدعم النفسي للاجئين والسكان المضيفين. لكن التغطية لم تتساو بين مناطق الاستقبال؛ إذ تركزت غالبية الخدمات في وداي ووادي فيرا، بينما بقي حجم التدخلات أقل في سيلا وإنيدي الشرقية.

أطفال عبروا الحدود من دون أسرهم

لا تقيس أزمة النزوح بعدد الخيام أو حصص الغذاء فقط. فقد سجلت مفوضية اللاجئين، بين يناير وأغسطس، 5,885 طفلا معرضين لمخاطر الحماية وحصلوا على متابعة، بينهم 2,212 طفلا منفصلين عن أسرهم و305 أطفال غير مصحوبين بذويهم.

وتعكس هذه الأرقام جانبا من أثر الرحلة نفسها: أسر تتفرق خلال الهجوم أو الهرب، وأطفال يصلون مع أقارب أو جيران، وآخرون لا يعرفون مصير آبائهم. وتقول المفوضية إن البحث عن الأسر وإعادة جمعها وتوفير رعاية بديلة للأطفال غير المصحوبين لا تزال من أولويات الاستجابة، إلى جانب الدعم النفسي والمساحات الآمنة وآليات الإبلاغ المجتمعية.

كما سجلت المفوضية 5,279 طفلا من ذوي الإعاقة استفادوا من برامج الحماية. غير أن المؤسسة نفسها ربطت استمرار هذه الخدمات بتمويل إضافي، خصوصا في المناطق التي لا تحظى بكثافة وجود المنظمات نفسها المسجلة في وداي.

ليبيا.. مئات الآلاف خارج التسجيل

يختلف المشهد في ليبيا. فقد قدرت مفوضية اللاجئين عدد السودانيين الذين وصلوا إلى البلاد منذ أبريل 2023 بأكثر من 567 ألف شخص حتى يوليو 2026. لكن عدد المسجلين لديها لم يتجاوز 93,743 شخصا، بينهم 78,023 سجلوا بعد اندلاع الحرب.

هذا الفارق لا يعني أن أكثر من 470 ألف شخص رفضوا التسجيل. فالمفوضية أوضحت أن الطبيعة غير الرسمية للدخول، والبيانات الجزئية التي تقدمها السلطات، واتساع الحدود الصحراوية مع السودان وتشاد ومصر، واستمرار الحركة نحو مدن الساحل، كلها عوامل تجعل الوصول إلى رقم دقيق أمرا صعبا.

وتقدر المفوضية أن 95 في المئة من المسجلين دخلوا ليبيا عبر نقاط حدودية غير رسمية. وبلغ متوسط الواصلين برا خلال يوليو نحو 80 شخصا يوميا، عبر مسارات قادمة من السودان ومصر وتشاد والنيجر. وكان الرجال يمثلون 57 في المئة من المسجلين والنساء 43 في المئة، فيما شكل الأطفال دون الثامنة عشرة نحو 38 في المئة.

وأظهرت خريطة المفوضية وجود تجمعات سودانية في الجنوب والشرق والساحل الغربي. وسجلت الكفرة، وهي أول مركز حضري كبير على الطريق القادم من السودان، أكبر تجمع منفرد ظاهر على الخريطة بنحو 48 ألف شخص. كما ظهرت تجمعات كبيرة في بنغازي وطرابلس وإجدابيا والجبل الأخضر ودرنة وطبرق، إضافة إلى سبها ومرزق والجفرة في الجنوب.

الكفرة.. باب الدخول ومكان انتظار طويل

بالنسبة إلى كثير من القادمين من السودان، لا تكون الكفرة محطة عبور قصيرة. فقد يؤدي نقص المال أو غياب العمل أو تفرق الأسرة إلى إقامة تمتد شهورا أو سنوات.

ورصدت صحيفة لوموند، خلال زيارة ميدانية في ديسمبر 2025، أوضاعا صعبة في تجمعات غير رسمية تعرف محليا باسم "المزارع". وفي أحدها، عاش نحو 200 شخص في هياكل مصنوعة من الأغصان والقماش، مع مرحاضين صالحين للاستخدام. وكان من يملك المال يدفع مقابل سرير، بينما ينام الآخرون على فرش موضوعة فوق الرمل.

ونقلت الصحيفة عن أمهات أن فرص العمل في المدينة أصبحت نادرة، وأن كلفة الدراسة المسائية حالت دون التحاق بعض الأطفال بالمدرسة. ووصفت أسرا تعتمد على المعونات المحلية والعمل المؤقت والتسول، فيما فكر بعض الرجال في العودة إلى السودان على الرغم من استمرار الحرب.

هذه الشهادات لا تمثل جميع السودانيين في ليبيا، لكنها تتفق مع تقييم المفوضية المنشور في أغسطس. فقد سجلت الوكالة تدهورا في الأوضاع الاقتصادية، ونقص فرص العمل، وانعدام الأمن الغذائي، وتراكم الإيجارات، وعدم استقرار السكن، خصوصا بين الأسر التي تعيلها نساء.

حماية محدودة وخوف من الاعتقال

لا توفر ليبيا للاجئين السودانيين نظام استقبال مشابها للمواقع المنظمة في تشاد. ووفقا للمفوضية، تزامن وصولهم مع تكثيف العمليات الأمنية التي تستهدف الهجرة غير النظامية، ما زاد الخوف من الاعتقال والاحتجاز والترحيل وفرض قيود على الحركة.

وفي المناطق البعيدة، وخصوصا الكفرة، حددت المفوضية احتياجات عاجلة تشمل الغذاء والعمل والرعاية الصحية والتعليم والمأوى والدعم النفسي. كما أن ضعف التسجيل يجعل الوصول إلى الأشخاص الأشد احتياجا أكثر صعوبة، ويترك أسرهم خارج شبكات الإحالة والمساعدة.

وفي فبراير 2026، وثق تقرير مشترك لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وبعثة الأمم المتحدة في ليبيا انتهاكات شملت الاعتقال التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والعمل القسري بحق مهاجرين وطالبي لجوء ولاجئين من جنسيات متعددة. لكن التقرير لا يقدم حصيلة مستقلة خاصة بالسودانيين، ولا يثبت أن كل من عبر الحدود تعرض لشبكات اتجار. وهو يوضح طبيعة بيئة الحماية التي يدخل إليها اللاجئ، لا مسار كل رحلة على حدة.

أمان نسبي لا يعيد الحياة السابقة

في تشاد، يجد القادمون من دارفور حدودا مفتوحة ومواقع استقبال ومنظمات إنسانية، لكنهم يدخلون نظاما يعاني نقص الغذاء والماء والمأوى والتمويل. وفي ليبيا، قد يجد بعضهم عملا أو أقارب سبقوهم، لكن معظم القادمين يظلون خارج التسجيل، وتحيط بهم مخاطر الاحتجاز والسكن غير المستقر والاستغلال.

القاسم المشترك بين المسارين هو أن النجاة من القتال لا تعني استعادة الحياة. فبعد عبور الحدود، تبدأ معركة أخرى للحصول على وثيقة وسرير ووجبة وماء ودواء ومقعد في مدرسة. وبين أدري والكفرة، تقاس كلفة الحرب بما فقدته الأسر في دارفور، وبما لا يزال بعيدا عنها في بلد اللجوء.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي