تقارير

حقول السودان تتعطل.. الحرب والجفاف يهددان حصاد الملايين

مزارع قمح في ولاية الجزيرة بالسودان، ديسمبر 2016 — صورة أرشيفية. تصوير: Nduati.githae / Wikimedia Commons، CC BY-SA 4.0.

الخرطوم - عين الساحل

ترك عبد الرحمن مزرعته قرب نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور في غرب السودان، بعدما جعلت الحرب البقاء فيها خطرا على أسرته. كان يزرع الفول السوداني والذرة الرفيعة والسمسم والدخن. وبعد رحلة نزوح مرت بالفاشر، انتهى به المطاف في مخيم بولاية شرق دارفور، بعيدا عن أرضه ومصدر رزقه، بحسب شهادة أوردتها منظمة "وورلد فيجن" الإنسانية في تقرير نشرته في يوليو 2026.

تأتي شهادته ضمن أزمة تتفاقم مع اقتراب الحصاد. ففي 12 أكتوبر، حذر "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي"، وهو نظام دولي لتقييم الجوع وسوء التغذية، من تصاعد خطر المجاعة في أجزاء من دارفور وكردفان. ويجمع التدهور بين القتال والنزوح والجفاف ونقص تمويل الإغاثة، في مناطق فقد كثير من سكانها القدرة على الزراعة أو شراء ما تحتاجه أسرهم. ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تعطلت مواسم زراعية وطرق تجارية، وغادر مزارعون حقولهم. وأكدت بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان، في بيان بمناسبة يوم الأغذية العالمي في 16 أكتوبر، أن انعدام الأمن وتراجع القدرة الشرائية واضطراب الأسواق تعوق حصول الأسر على الغذاء.

وتقدر دراسة "وورلد فيجن"، المستندة إلى مقارنة صور الأقمار الصناعية بين 2023 و2025، مساحة الأراضي التي شهدت تراجعا في النشاط الزراعي بنحو 3.9 ملايين هكتار. ويقيس التحليل تغير الغطاء النباتي المرتبط بالزراعة؛ لذلك يشير الرقم إلى تراجع الزراعة في هذه المساحات، ولا يثبت فقدان صلاحيتها بصورة نهائية. كما حالت السحب دون تحليل أجزاء أخرى من الأراضي.

حصاد مهدد وأسعار تتضاعف

وقالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "فاو"، في نشرتها المؤرخة في 24 سبتمبر، إن زراعة حبوب موسم 2026 انتهت منتصف أغسطس، وإن الحصاد من المقرر أن يبدأ في نوفمبر. لكن نقص الأمطار أثر في إنبات المحاصيل ونموها، خصوصا في مناطق الإنتاج الرئيسية جنوب شرقي البلاد.

وفي ولايتي سنار والقضارف، اللتين تنتجان معا نحو ربع محصول الذرة الرفيعة السوداني في المتوسط، انخفضت أمطار الموسم بنحو 20 و30 في المئة على التوالي عن المعدل الطويل الأجل. وتضاف إلى الجفاف صعوبة الوصول إلى الحقول، ونقص مستلزمات الإنتاج وارتفاع أسعارها، وضعف التمويل المتاح للمزارعين.

ويدخل السودان الموسم الجديد بعد تراجع إنتاج الحبوب في موسم 2025 إلى نحو 5.2 ملايين طن، بانخفاض 22 في المئة مقارنة بعام 2024، وفق "فاو". وتشمل هذه الحصيلة الذرة الرفيعة والدخن والقمح.

وانعكس نقص الإنتاج واضطراب التجارة على الأسواق. فقد ارتفعت أسعار الذرة الرفيعة إلى أكثر من ضعفي مستوياتها، في المتوسط، في معظم الأسواق المرصودة بين يناير وأغسطس 2026. وكاد متوسط سعر الديزل يتضاعف بين مارس وأغسطس، بما يرفع كلفة الإنتاج والنقل، وفقا للمنظمة.

وتترافق أزمة الغذاء مع تقلص خدمات العلاج والمياه النظيفة. وقالت منظمة الصحة العالمية في 12 أكتوبر إن دعمها لمراكز علاج سوء التغذية ساعد على معالجة أكثر من 26 ألف طفل يعانون سوء تغذية حادا ومضاعفات طبية بين يناير وأغسطس 2026. ولم تتلق المنظمة سوى 23 في المئة من التمويل الذي طلبته لاستجابتها الإنسانية في السودان.

كلفة العودة إلى الأرض

ويرى مدير "وورلد فيجن" في السودان، سايمون ماني، أن استعادة الزراعة ممكنة إذا تمكن النازحون من الوصول إلى أراضيهم وتوافرت البذور والأدوات والأسمدة. وقال لصحيفة "إل باييس" الإسبانية، في تقرير نشرته في 16 أكتوبر، إن كثيرا من الأراضي ما زال خصبا، ويمكن استئناف زراعة محاصيل فيها بسرعة نسبية. وروى أن نساء التقاهن في مخيم للنازحين بولاية النيل الأزرق طلبن مساعدتهن على العودة إلى الزراعة.

وأطلق البنك الأفريقي للتنمية وبرنامج الأغذية العالمي خلال 2026 مشروعا بقيمة 87 مليون دولار لدعم الزراعة في سنار والنيل الأزرق، جنوب شرقي السودان. ويستهدف المشروع، الممتد أربع سنوات، أكثر من 230 ألف أسرة زراعية في أربع مناطق تعتمد على الأمطار.

وبحسب إعلان برنامج الأغذية العالمي في 5 يونيو، تشمل أنشطته استعادة الإنتاج، وتقليل الفاقد بعد الحصاد، وتحسين دخل المزارعين وربطهم بالأسواق، إلى جانب تنظيم مجموعات للتدريب وتطوير الأعمال الزراعية. ويستهدف القائمون عليه إنتاج ما يقارب مليون طن من الحبوب والبقول خلال السنوات الأربع.

ودعت بعثة الاتحاد الأوروبي إلى حماية الأراضي والمنشآت الزراعية والأسواق وطرق الإمداد، وتأمين وصول المساعدات. وحددت شبكات الري والتخزين والتمويل المتاح لصغار المزارعين ضمن الاستثمارات اللازمة للتعافي، مع وقف الأعمال القتالية بما يسمح للسكان باستئناف العمل.

أما عبد الرحمن، وهو أب لعشرة أطفال، فتمنعه كلفة البداية من استئناف الزراعة في مكان نزوحه. وقال في شهادته لـ"وورلد فيجن": "لا أملك أي قطعة أرض... وإيجار الأرض هنا مرتفع". وأضاف أن كلفة البذور والعمالة وصعوبة تخزين المحصول تقلص فرص تغطية نفقات الزراعة عند البيع.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي