تحقيقات

ذهب الساحل.. إتاوات للمسلحين وشبكات تنقل الثروة خارج الرقابة

في محيط باما، بشرق بوركينا فاسو، حصل سكان على إذن بالتنقيب عن الذهب داخل محميات كانت السلطات تمنع العمل فيها. جاء الإذن من مسلحين وصلوا منتصف عام 2018، وأجبروا الجنود وحراس المحميات على الفرار. وكان المقابل، في بعض الحالات، حصة من الذهب، وفي حالات أخرى شراءه والمتاجرة به.

وثقت رويترز هذه الوقائع في تحقيق نشرته في 22 نوفمبر 2019، استنادا إلى شهادات منقبين وسكان. ولم يتمكن صحفيوها من دخول المنطقة لأسباب أمنية. تكشف الشهادات طريقة للاستحواذ على عائد التعدين: إبقاء العمال في الحفر، مع انتقال سلطة السماح بالعمل وجباية المال إلى حامل السلاح.

وتظهر دراسة نشرتها المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود في 3 ديسمبر 2025 استمرار أهمية هذا المورد. فتنظيم "نصرة الإسلام والمسلمين" يحصل على إيرادات بفرض إتاوات والسيطرة على مواقع التعدين وطرق الوصول إليها في مالي وبوركينا فاسو. وتقول الدراسة إن عائدات الذهب، إلى جانب موارد أخرى، ساعدته على توسيع نفوذه.

لكن مسار الذهب يتجاوز المناطق التي يوجد فيها المسلحون. ففي تحقيق نشرته شبكة "سينوزو" للصحافة الاستقصائية في غرب أفريقيا في 31 ديسمبر 2025، وصفت الفرقة الوطنية لمكافحة الغش في تجارة الذهب ببوركينا فاسو سلسلة تبدأ بجمع المعدن من المنقبين، ثم تقييمه في مكاتب شراء وبيع غير قانونية داخل المدن الكبرى، قبل نقله إلى دول الجوار.

وحددت الفرقة توغو ومالي وغانا وساحل العاج والنيجر وبنين ضمن وجهات الذهب المهرب. ووثقت ضبط شحنات كانت متجهة إلى مالي وبنين وتوغو خلال عام 2023. هكذا تدخل المدن ومكاتب التجارة والمعابر في سلسلة تنطلق من مواقع الحفر، ويصبح تهريب الإنتاج قضية تتجاوز القدرة على مراقبة المنجم نفسه.

وعلى الجانب الآخر من حدود بوركينا فاسو، تتبع دراسة المبادرة العالمية حركة معاكسة: ذهب مستخرج في شمال غانا يعبر شمالا إلى السوق البوركينية. وتقدر الدراسة أن ما بين 60 و70 في المئة من الذهب المستخرج في شمال غانا يباع لتجار بوركينيين وينقل إلى بلادهم. وهي نسبة تخص شمال غانا، لا مجمل إنتاج البلاد.

وبحسب الدراسة، يمنح التمويل المسبق تجارا حق الحصول على الذهب قبل استخراجه، فيما تشجع الأسعار التي يعرضها المشترون البوركينيون تدفق المعدن عبر الحدود. ويمتد تأثير الممول بذلك إلى مرحلة تسبق البيع، عبر تمويل العمل وضمان شراء الناتج.

غير أن الباحثين لم يعثروا، حتى نشر الدراسة، على أدلة تثبت مشاركة "نصرة الإسلام والمسلمين" مباشرة في قطاع الذهب بشمال غانا أو حصوله على إيرادات منه. فالارتباط التجاري ببوركينا فاسو لا يثبت، في ذاته، تمويل التنظيم؛ بينما وثقت الدراسة حصوله على عائدات من التعدين والطرق في مالي وبوركينا.

وتكشف السجلات البوركينية أيضا مقدار ما يمكن أن يتغير عندما يدخل الإنتاج إلى القنوات الرسمية. فقد نقل تحقيق "سينوزو"، عن تقرير مبادرة الشفافية في الصناعات الاستخراجية لعام 2024، ارتفاع إنتاج الذهب الحرفي المصرح به من 0.49 طن في 2023 إلى 7.66 أطنان في 2024.

وعزا التقرير الزيادة إلى توسيع إدماج التعدين الحرفي في القطاع الرسمي عبر الشركة الوطنية للمواد الثمينة "سوناسب" وإجراءات التنظيم. فالرقمان يقيسان الإنتاج المصرح به، ولا يثبتان وحدهما حدوث قفزة مماثلة في الكمية المستخرجة فعليا من الأرض.

وخارج المنطقة، تتيح سجلات الاستيراد رؤية جزء آخر من التجارة. ففي دراسة صدرت عام 2024، قارنت منظمة "سويس إيد" بيانات الإنتاج والتصدير في 54 دولة أفريقية بواردات الدول المشترية. وقدرت أن ما لا يقل عن 435 طنا من الذهب خرج من أفريقيا بالتهريب خلال 2022، بقيمة قدرتها الدراسة بنحو 31 مليار دولار. وهذه حصيلة للقارة كلها، وليست تقديرا خاصا بالساحل.

وتصف المنظمة سلسلة يمر فيها الذهب بأيد متعددة وبلدان مختلفة: يباع وينقل ويعالج ويصدر، ثم يعاد تصنيعه وبيعه. ويصعب هذا التسلسل تتبع منشئه. وتوضح أن غياب التصريح يحرم الدول المنتجة من إيرادات يمكن إنفاقها على التعليم والصحة، فيما يبقى تتبع الإنتاج إلى موقع استخراجه ضروريا لفحص صلته بالنزاعات والانتهاكات.

وفي مواقع التعدين، تظهر كلفة أخرى بعيدا عن سجلات التجارة. فقد أعلن الإنتربول، وفق ما نقلته أسوشيتد برس في 14 يناير 2025، توقيف 200 شخص خلال عملية ضد التعدين غير المشروع شملت بوركينا فاسو وغامبيا وغينيا والسنغال بين يوليو وأكتوبر 2024. وضبطت السلطات مواد بينها الزئبق والسيانيد ومتفجرات ومخدرات. كما عثرت على كميات كبيرة من مسكنات الألم، قالت إنها تستخدم لمواجهة آثار المواد السامة وظروف العمل القاسية التي يتحملها المنقبون.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي