تقارير

من مالي إلى خليج غينيا.. القاعدة توسّع حرب الطرق في بوركينا فاسو

عين الساحل – تقرير أمني وتحليل استراتيجي

توسّع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة ضغوطها على طرق التجارة والإمداد في بوركينا فاسو، في تطور يهدد بربط مناطق نفوذ التنظيم في مالي والنيجر بجبهة أكثر اتساعاً تمتد نحو دول خليج غينيا، ويضع أحد أهم بلدان الساحل أمام تحديات أمنية واقتصادية متزايدة.

وكشف أحدث تقييم لمنظمة "ACLED"، صدر الأربعاء 28 أكتوبر 2026، عن اقتراب مسلحي الجماعة من مراكز سكانية وعقد تجارية وطرق نقل حيوية، إلى جانب استمرار الهجمات على مواقع الجيش والمتطوعين المساندين له.

ولا تتمثل خطورة هذا التحول في احتمال سقوط مدن جديدة وحده، بل في قدرة التنظيم على تعطيل الطرق والأسواق وحركة السكان، وتحويل السيطرة على الممرات الاقتصادية إلى وسيلة لاستنزاف الدولة وإضعاف حضورها في المناطق الريفية.

حرب الطرق والأسواق

يبرز الطريق الوطني الثالث (RN3)، الذي يربط وسط بوركينا فاسو بشمالها الشرقي، باعتباره أحد المحاور التي تعرضت لهجمات متكررة من الجماعة خلال السنوات الماضية.

ووفق دراسة أمنية نشرتها "ACLED" في يوليو الماضي، استهدف التنظيم مقاطع من الطريق بين بيسيلا وتوغوري وتاباركو ويالغو، باستخدام العبوات الناسفة والحواجز المسلحة والهجمات على القوافل.

وتكتسب هذه العمليات أهمية خاصة لأن الطريق يخدم مناطق سكانية وأنشطة تعدين، ويشكل جزءاً من شبكة نقل تعتمد عليها البلاد لإيصال الوقود والغذاء والمعدات.

وفي شرق البلاد، تعرضت الطرق المحيطة بمواقع تعدين الذهب لضغوط مماثلة، بينما عانت بلدات شمالية مثل جيبو وأربيندا وسيبا من اضطراب الإمدادات وحصار أو قيود على التنقل.

وتشير شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة إلى أن انعدام الأمن لا يزال يعطل وصول السلع إلى الأسواق في الشمال والشرق، مع استمرار ارتفاع بعض أسعار المواد الغذائية رغم تحسن نسبي في الإمدادات والأوضاع الزراعية على المستوى الوطني.

من مالي إلى حدود الدول الساحلية

لا يمكن فصل التطورات داخل بوركينا فاسو عن الخريطة الأوسع لتمدد الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا.

فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، التي تشكلت عام 2017 من تحالف تنظيمات مرتبطة بالقاعدة، رسخت حضورها في شمال مالي ووسطها، قبل أن توسع عملياتها باتجاه الجنوب والحدود مع بوركينا فاسو والنيجر.

ومع تراجع سلطة الحكومات في مناطق ريفية واسعة، أصبحت الجماعة تعتمد على شبكة عابرة للحدود من المقاتلين والوسطاء المحليين وطرق التهريب والإمداد، إلى جانب فرض الإتاوات والحصار والاتفاقات على بعض المجتمعات.

وفي مالي، شهدت السنوات الأخيرة هجمات على قواعد عسكرية وطرق تجارية، ووصل الضغط الاقتصادي إلى محاور إمداد العاصمة باماكو، خصوصاً شحنات الوقود.

أما في النيجر، فقد توسعت عمليات الجماعة في المناطق الغربية والجنوبية الغربية، مستفيدة من الحدود المفتوحة عملياً بين مسارح القتال في الدول الثلاث.

ومن شرق بوركينا فاسو، امتد نشاطها جنوباً إلى شمال بنين وتوغو، حيث تحولت المناطق الحدودية والغابات والممرات التجارية إلى ساحات جديدة للعمليات المسلحة.

وتشير دراسات المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية إلى أن هذا الامتداد لم يعد مقتصراً على دول الساحل الحبيسة، بل بات يشكل تهديداً أمنياً للدول الساحلية في خليج غينيا، مع وجود مؤشرات نشاط وشبكات إسناد في المناطق الحدودية القريبة من غانا وساحل العاج.

لكن درجة التهديد تختلف بين هذه البلدان؛ فالحضور العملياتي الموثق في شمال بنين وتوغو أكثر وضوحاً من النشاط المسلح داخل غانا وساحل العاج، ولا يعني اتساع الشبكات الحدودية خضوع أراضٍ جديدة لسيطرة التنظيم.

داعش.. المنافس الذي يفتح جبهة أخرى

تتعقد المعادلة الأمنية في بوركينا فاسو بسبب وجود تنظيم داعش في الساحل، المنافس الرئيسي لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين.

ويتمركز ثقل داعش في المناطق الحدودية بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، خصوصاً حول منكا في مالي وتيلابيري في النيجر وأجزاء من شمال شرقي بوركينا فاسو.

وعلى الرغم من اشتراك التنظيمين في العداء للحكومات والجيوش المحلية، فإنهما يخوضان صراعاً دموياً على مناطق النفوذ وطرق التحرك والتجنيد والموارد.

وقد شهد شمال بوركينا فاسو خلال سبتمبر الماضي مواجهات كبيرة بين الطرفين، بعدما أعلن داعش إلحاق خسائر واسعة بمقاتلي الجماعة المرتبطة بالقاعدة، في حصيلة لم يتسن التحقق منها بصورة مستقلة.

ويضيف هذا التنافس بعداً أكثر تعقيداً إلى المشهد؛ إذ تجد القوات الحكومية نفسها أمام تنظيمين يتنازعان مناطق النفوذ، لكنهما يواصلان في الوقت نفسه مهاجمة المواقع العسكرية وتهديد المجتمعات المحلية.

وتشير تقديرات "ACLED" إلى أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وسعت انتشارها الجغرافي بدرجة أكبر، بينما احتفظ داعش بقدرات عسكرية مؤثرة في بعض المناطق الحدودية، ولا سيما في غرب النيجر وشرق مالي.

بوركينا فاسو في قلب معادلة إقليمية

تكتسب بوركينا فاسو أهمية خاصة في هذا الصراع بسبب موقعها الجغرافي بين مالي والنيجر شمالاً وشرقاً، وغانا وساحل العاج وتوغو وبنين جنوباً.

وهذا الموقع يجعلها نقطة وصل بين مناطق التمرد المسلح في الساحل وممرات التجارة المؤدية إلى الموانئ الأطلسية.

وتعتمد الدول الحبيسة، وبينها بوركينا فاسو ومالي والنيجر، على هذه الممرات لاستيراد الوقود والمواد الغذائية والمعدات والسلع الأساسية.

ومن هنا، فإن أي توسع مستدام في تهديد الطرق لا ينعكس على الأمن المحلي وحده، بل يمكن أن يرفع تكاليف التجارة ويعطل الإمدادات ويزيد الضغط على اقتصادات المنطقة.

ورغم التعاون العسكري بين دول تحالف الساحل الثلاث، والعمليات التي تعلنها جيوشها ضد التنظيمات المتطرفة، لا تزال الجماعات المسلحة تحتفظ بالقدرة على تنفيذ هجمات واسعة والتحرك عبر الحدود.

إنذار عين الساحل.. السيطرة على الاقتصاد قبل المدن

ترى "عين الساحل" أن التطورات في بوركينا فاسو تكشف انتقال جزء مهم من الصراع من محاولة السيطرة العسكرية المباشرة إلى فرض النفوذ عبر التحكم في الطرق والأسواق ومصادر الدخل.

فالتنظيم الذي يعجز عن احتلال مدينة كبرى يستطيع، عبر مهاجمة طرقها وإمداداتها، زيادة تكلفة بقائها تحت سلطة الدولة، وإضعاف النشاط الاقتصادي الذي تعتمد عليه.

وتزداد خطورة هذا الأسلوب عندما يقترن بامتداد الجماعات المسلحة عبر حدود عدة دول، بما يسمح لها بتوزيع عملياتها وتغيير مناطق الضغط ومصادر التمويل.

وتحذر التقييمات الأمنية الدولية من أن تمدد الجماعات المتطرفة نحو بنين وتوغو والمناطق المتاخمة لغانا وساحل العاج قد يوسع نطاق عدم الاستقرار، إذا عجزت الحكومات عن حماية الطرق الحدودية والمجتمعات المحلية.

وفي تقدير "عين الساحل"، لن يكون المؤشر الحاسم خلال المرحلة المقبلة عدد المواقع العسكرية التي تهاجمها الجماعة فقط، بل قدرتها على فرض حصار مستمر على المدن، أو قطع طرق التجارة لفترات طويلة، أو إنشاء مناطق نفوذ متصلة بين الحدود المالية والنيجرية والممرات المؤدية إلى خليج غينيا.

كما ينبغي مراقبة تأثير المنافسة مع داعش، إذ يمكن أن تؤدي المواجهات بين التنظيمين إلى إعادة توزيع النفوذ، أو دفع أحدهما إلى التوسع باتجاه مناطق جديدة لتعويض خسائره.

والإنذار الأبرز أن بوركينا فاسو قد تتحول من ساحة رئيسية للصراع بين الجيوش والتنظيمات المتطرفة إلى حلقة وصل في شبكة إقليمية تضغط على اقتصادات الساحل ودول خليج غينيا معاً.

فإذا خسرت الدول قدرتها على تأمين حركة الناس والبضائع بين مدنها وحدودها، فإن احتفاظها بالمراكز الحضرية الكبرى لن يكون وحده دليلاً كافياً على استعادة السيطرة الأمنية.

مشاركة التقرير