تحقيقات

بعد الفيلق الأفريقي.. روسيا ترسم أكبر خريطة جيولوجية لثروات مالي

عين الساحل – تحقيق وتحليل استراتيجي

من مصفاة تستوعب أربعة أضعاف إنتاج الذهب إلى مشروع ليثيوم وخرائط لنصف البلاد.. موسكو تبحث عن موقع دائم في اقتصاد الساحل

تفتح روسيا جبهة اقتصادية واسعة في مالي، تتقدم فيها شركاتها الحكومية نحو احتياطيات الذهب والليثيوم وبيانات الموارد المعدنية، مستفيدة من شراكتها العسكرية مع باماكو، ومن التحولات التي يشهدها قطاع التعدين بعد عقود من هيمنة شركات غربية على أهم المناجم.

وتكشف مراجعة "عين الساحل" للعقود الروسية الأخيرة وبيانات إنتاج المعادن وتصديرها، عن مشروع نفوذ يتشكل عبر ثلاث حلقات مترابطة: التنقيب عن موارد جديدة، والمشاركة في معالجة الذهب، والحصول على دور تقني في إدارة المعلومات الجيولوجية والتراخيص.

وفي أحدث خطوات هذا التوسع، وقّعت مالي في موسكو، الأربعاء 28 أكتوبر، اتفاقين مع شركة "زاروبيج جيولوجيا" التابعة لمجموعة "روسجيولوجيا" الحكومية، لرسم خريطة جيولوجية لمنطقتين تغطيان أكثر من نصف مساحة البلاد، وإنشاء نظام رقمي وطني لإدارة البيانات المعدنية والتراخيص.

ولم تُعلن حدود المنطقتين المستهدفتين بالمسح، لكن مراجعة التوزيع المعروف للثروات المالية تكشف حجم المصالح المحتملة، خصوصاً أن موسكو دخلت بالفعل إلى مشروع ليثيوم في الجنوب، وتملك شركة روسية حصة في مشروع مصفاة ذهب قرب العاصمة.

مصفاة روسية لأربعة أضعاف إنتاج مالي

يبرز الذهب في مقدمة هذه المصالح، باعتباره المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية في مالي وأهم صادراتها.

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الإنتاج الصناعي للذهب هبط إلى 42.2 طن خلال عام 2025، مقابل 54.8 طن عام 2024، نتيجة اضطرابات في قطاع التعدين وخلافات مع الشركات الأجنبية.

وبإضافة الإنتاج التقليدي المسجل، بلغ إجمالي الإنتاج الرسمي نحو 48.2 طن.

لكن الاتفاق الذي أبرمته باماكو مع شركة "يادران" الروسية لإنشاء مصفاة ذهب قرب مطار العاصمة يمنح المشروع طاقة معالجة تصل إلى 200 طن سنوياً، أي أكثر من أربعة أضعاف الإنتاج المالي المسجل في 2025.

وستمتلك الحكومة المالية 62 بالمئة من الشركة المشغلة، مقابل 38 بالمئة للشريك الروسي.

وتكشف هذه الأرقام عن احتمال اقتصادي لافت؛ فالمصفاة المصممة لهذه الطاقة قد تصبح قادرة على استيعاب إنتاج من خارج مالي، بما يفتح المجال أمام تحويل باماكو إلى مركز لمعالجة ذهب دول الساحل، إذا توفرت اتفاقات التوريد والاعتمادات الدولية اللازمة.

ولم تعلن السلطات حتى الآن عن عقود تضمن توريد ذهب الدول المجاورة إلى المنشأة، كما أن الطاقة التصميمية لا تعني القدرة الفعلية على الإنتاج أو التصدير.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنظر إلى أن مالي كانت تعتمد على مصافٍ خارجية لمعالجة جانب مهم من إنتاجها، بينما تعاني منشآتها المحلية صعوبات في الحصول على الاعتمادات المطلوبة للتعامل مع الأسواق العالمية.

أين كان يذهب الذهب؟

تكشف بيانات التجارة المالية لعام 2025 أن قيمة صادرات الذهب المعلنة بلغت نحو 4.8 مليار دولار.

واستحوذت دول مثل جنوب أفريقيا على 60.4 بالمئة من هذه الصادرات، وأستراليا بنسبة 12.1 بالمئة، وفق إحصاءات المعهد الوطني المالي للإحصاء.

وتشكل هذه الأسواق شبكة قائمة لمعالجة الذهب وتجارته، سيكون على المصفاة الجديدة التعامل معها أو منافسة بعض خدماتها.

وتشير دراسة سابقة لمنظمة "سويس إيد" إلى أن ما بين 30 و57 طناً من الذهب المالي كانت تخرج سنوياً دون تسجيل رسمي، بقيمة تراوح بين ملياري دولار و3.8 مليار دولار وفق التقديرات المنشورة عام 2024.

وهذه الكميات تعني أن اقتصاد الذهب يتجاوز بكثير الإنتاج المعلن، وأن السيطرة على عمليات الشراء والتكرير والتصدير يمكن أن تمنح الجهات المشاركة فيها موقعاً مؤثراً في سلسلة تجارية بالغة القيمة.

الليثيوم.. روسيا تدخل سوقاً تسبقها إليه الصين

تظهر المصالح الروسية بصورة أكثر مباشرة في جنوب مالي، حيث تعمل شركة "يورانيوم وان"، التابعة لمجموعة "روساتوم" الحكومية، على مشروع ليثيوم في منطقة بوغولا بإقليم سيكاسو.

وفي سبتمبر 2026، أعلنت الشركة إنجاز مسوحات جيولوجية شملت أكثر من 200 كيلومتر مربع، وحفر ما يزيد على مئة بئر استكشافية، واستخراج أكثر من عشرين كيلومتراً من العينات الصخرية.

وقدّرت الشركة الموارد الأولية للمشروع بما يعادل نحو 458 ألف طن من كربونات الليثيوم، مع التخطيط لإعداد دراسة جدوى خلال 2027، وبدء بناء منشأة للتعدين والمعالجة عام 2028.

ويمنح المشروع موسكو فرصة دخول قطاع يرتبط بصناعة البطاريات وتخزين الطاقة، لكنه سيواجه منافسة صينية قوية.

ففي منطقة غولامينا جنوب مالي، تدير شركة "غانفنغ ليثيوم" الصينية مشروعاً تمتلك فيه 65 بالمئة، مقابل 35 بالمئة للدولة المالية.

وفي بوغوني المجاورة، تعمل شركة تملك فيها "هاينان ماينينغ" الصينية 51 بالمئة و"كودال مينيرالز" البريطانية 49 بالمئة، ضمن هيكل استثماري تحتفظ فيه الدولة المالية بحصة من الشركة المنجمية المشغلة.

وبدأت شحنات الليثيوم من بوغوني الوصول إلى الصين أواخر 2025، ووصلت قيمة الشحنة الأولى التي أعلنت الشركة استلام ثمنها إلى أكثر من 27 مليون دولار.

وتكشف هذه المعطيات أن روسيا تدخل قطاعاً بدأت الصين بالفعل بناء سلاسل إنتاج وتصدير فيه، من المناجم المالية إلى المصانع الآسيوية.

ومن العقبات التي واجهت موسكو انسحاب جهات استثمارية هندية من المشاركة في مشروع الليثيوم الروسي في فبراير الماضي، وفق مصادر نقلت عنها رويترز، بسبب المخاطر الأمنية المتزايدة في مالي.

ماذا تخفي الخريطة الجيولوجية؟

تحدد مراجعة "عين الساحل" ثلاثة نطاقات رئيسية للموارد التي قد تكتسب أهمية في التوسع الروسي.

غرب مالي: يضم حزام الذهب الممتد بمحاذاة الحدود السنغالية، حيث توجد مناجم فيكولا ولولو-غونكوتو وساديولا، التي تشغلها شركات كندية. كما توجد في منطقة فاليا قرب الحدود الغينية موارد يورانيوم معروفة منذ عقود، لكنها لم تتحول إلى إنتاج تجاري واسع.

جنوب مالي: يضم مناطق سيكاسو وبوغوني وغولامينا، التي تتركز فيها مشروعات الليثيوم إلى جانب مناجم الذهب، ومنها سياما الذي تديره شركة أسترالية. ويمثل هذا النطاق مركز النشاط التعديني الحديث في البلاد.

شمال مالي وشرقه: تبرز فيه مؤشرات اليورانيوم في نطاق تماسنا، والفوسفات في وادي تيلمسي، إضافة إلى الإمكانات الهيدروكربونية لحوض تاودني وبعض الأحواض الأخرى.

وتحمل المناطق الشمالية أهمية جيولوجية محتملة، لكن موارد عديدة فيها لا تزال في مراحل الاستكشاف والتقدير، وقد أعاقت الظروف الأمنية تطويرها.

ولا يمكن الجزم بأن هذه النطاقات جميعها تدخل ضمن المسح الروسي الجديد، لأن خرائط المنطقتين المشمولتين بالعقد لم تُنشر.

غير أن وصول شركة روسية إلى العمل في تحديد المناطق الواعدة بالمعادن، والمشاركة في بناء نظام معلومات التراخيص، يتيح لموسكو معرفة تقنية واسعة بالقطاع، يمكن أن تصبح ذات أهمية تجارية واستراتيجية إذا ارتبطت باستثمارات جديدة.

من مالي إلى النيجر وبوركينا فاسو

يكتسب التوسع الروسي في مالي بعداً إقليمياً مع تحركات مماثلة في دول تحالف الساحل.

ففي النيجر، وقّعت شركة "يورانيوم وان" الروسية مذكرة تعاون مع شركة يورانيوم حكومية أواخر 2025، تتعلق بالاستكشاف وإمكان تطوير مشروعات تعدين جديدة.

وجاء ذلك بعد تأميم النيجر شركة "سوماير" التي كانت تسيطر عليها مجموعة "أورانو" الفرنسية، في تحول كبير داخل قطاع اليورانيوم.

كما أعلن المدير العام لشركة "زاروبيج جيولوجيا"، خلال اجتماعات موسكو في أكتوبر الجاري، اقتراب مفاوضات لتوقيع اتفاقات في النيجر تتعلق بتقييم إمكانات الذهب والهيدروكربونات. ولم تعلن الشركة إبرام هذه الاتفاقات بعد.

وفي بوركينا فاسو، سبق لشركة "نورغولد" ذات الملكية الروسية تشغيل مشروعات مهمة للذهب، بينها بيسا وبولي، اللتان بلغ إنتاجهما المجمع نحو 270 ألف أوقية في عام 2021. وظهرت مطلع 2026 تقارير عن مفاوضات لبيع أصول الشركة، دون تأكيد علني نهائي لمصير الصفقة.

وتوفر هذه الأنشطة صورة عن اهتمام روسي بقطاعات التعدين والطاقة في الدول الثلاث، وإن اختلفت طبيعة ملكية المشروعات وحجم تقدمها من بلد إلى آخر.

تقدير عين الساحل.. النفوذ يبدأ من معلومات باطن الأرض

تقدّر "عين الساحل" أن المشروع الروسي في مالي يتجه إلى بناء مصالح اقتصادية طويلة الأمد، تجمع بين استكشاف الموارد وتطوير مشروعات خاصة والمشاركة في معالجة المعادن.

وتبدو أهمية اتفاق الخرائط الأخيرة في أنه قد يتيح لروسيا موقعاً مبكراً في معرفة التوزيع الجيولوجي للموارد الجديدة، بينما تدخل شركاتها بالفعل إلى حلقات أخرى من قطاع التعدين.

وتحتاج هذه القراءة إلى التمييز بين المصالح المحتملة والحقوق القائمة؛ فلا تمنح عقود الخرائط المعلنة روسيا ملكية موارد مالي، ولا تثبت أن موسكو حصلت على امتيازات التعدين في المساحات المشمولة بالمسح.

لكن استمرار هذه الشراكات قد يمنح الشركات الروسية قدرة أكبر على تحديد الفرص والاستعداد للمنافسة عليها، في وقت تبحث فيه باماكو عن زيادة إيراداتها وتنويع شركائها الدوليين.

وستكون شروط ملكية البيانات الجيولوجية، وحقوق الوصول إليها، وشفافية التراخيص المستقبلية، من أهم المؤشرات التي تحدد ما إذا كانت مالي ستحتفظ بالتحكم الكامل في هذه المعرفة الاستراتيجية.

كما أن مشروعات التعدين الروسية ستظل معرضة للمخاطر الأمنية التي تواجه شركات الدول الأخرى، مع اتساع نشاط الجماعات المسلحة وتهديد الطرق ومناطق الاستثمار.

**وترى "عين الساحل" أن الخطر الاستراتيجي الذي يستدعي المراقبة يتمثل في احتمال تحول الشراكة العسكرية الروسية إلى شبكة مصالح اقتصادية يصعب فصلها عن منظومة الحكم والأمن في مالي.

وإذا اكتملت حلقات الاستكشاف والمعالجة والاستثمار، فقد يصبح لروسيا حضور دائم في اقتصاد البلاد، حتى لو تغير حجم انتشار قواتها العسكرية مستقبلاً.**

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي