تيارات

المدارس القرآنية في الساحل في مرمى التطرف

طلبة يتعلمون القرآن باستخدام الألواح الخشبية في موريتانيا، Ferdinand Reus

في باماكو، وصف معلم قرآني للباحث المالي بالان دياكيتي عداء التنظيمات المتطرفة لمعلمي الدين الذين يخالفونها: "يروننا تهديدا لأننا لا نشاركهم فهمهم للإسلام وتفسيرهم للنصوص الدينية". جاءت شهادته في دراسة عن تحديث المدارس القرآنية في مالي، وثقت اضطرار معلمين إلى مغادرة مناطقهم بعدما رفضوا الخضوع للمسلحين.

تكشف الشهادة وجها كثيرا ما يغيب عن الحديث عن التعليم القرآني في الساحل. فهذا التعليم الذي سبق المدرسة الحديثة، وحفظ للأجيال صلتها بالدين والقراءة، يواجه اليوم صراعا على من يشرح النصوص، ومن يملك التأثير في الطلاب. وبين معلم يقاوم التنظيمات وآخر يساعدها على الاستقطاب، توجد مدارس تعاني الفقر وضعف التأهيل، وأطفال لا يجدون طريقا واضحا إلى استكمال الدراسة أو العمل.

وفي 15 يناير 2026، استقبل وزير الشؤون الدينية المالي محمدو كوني مسؤولي اتحاد مدارس ومراكز تحفيظ القرآن. ونقلت وكالة الأنباء الأفريقية "أبا" عن الاتحاد تقديرا بنحو ألف مركز وأكثر من أربعين ألف طالب، في قطاع قالت الوكالة إنه لا يزال إلى حد بعيد خارج منظومة الرعاية والمتابعة الحكومية.

بين التلاوة والفهم

تصف دراسة دياكيتي تعليما يركز في مدارس تقليدية على الحفظ والتلاوة، مع ضعف إعداد المعلمين لطرق التدريس الحديثة، ومحدودية المتابعة التربوية. كما ترصد صعوبة وصل هذه المدارس بالتعليم النظامي. وبذلك قد تبقى مرحلة التحفيظ نهاية تعليم الطالب، بدل أن تفتح له بابا إلى دراسة أوسع.

وتقدم دراسة "رحلة إلى التطرف في أفريقيا"، التي أصدرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023، تفسيرا لأهمية هذا الفارق. فالمعرفة الدينية والقدرة على قراءة النصوص وفهمها ظهرتا ضمن عوامل الحماية من الاستقطاب، بينما أقر مشاركون سبق أن انضموا طوعا إلى تنظيمات متطرفة بأنهم يعتمدون على غيرهم لقراءة النصوص أو تفسيرها.

شملت الدراسة نحو 2200 شخص في ثماني دول أفريقية، بينهم أعضاء سابقون في تنظيمات متطرفة وأشخاص لم ينضموا إليها؛ فهي ليست مسحا لطلاب المدارس القرآنية. لكنها رصدت فجوة بين القراءة والفهم، وشددت على جودة التعليم الديني، لا مجرد عدد السنوات التي يقضيها الفرد فيه.

ويشير التقرير إلى أن صعوبة الوصول إلى النصوص بلغة يفهمها المتلقي تزيد اعتماده على الوسطاء. ومن هذا المدخل يمكن فهم خطر الخطيب المتطرف: قد يعرف الطالب الآية ويحفظها، لكنه يفتقر إلى الأدوات التي يراجع بها الاستنتاج الذي يبنيه الخطيب عليها. موضع الضعف هنا هو انفراد الواعظ بالتفسير، وليس انتماء الطالب إلى مجتمع غير ناطق بالعربية.

وتوضح التجربة الموريتانية كيف يمكن أن يتسع التعليم التقليدي نفسه لما بعد الحفظ. فالمحظرة، وهي المؤسسة الأهلية للتعليم الشرعي، قد تقدم مسارا متدرجا في علوم الدين واللغة. وتعرض "المحظرة العالمية للعلوم الشرعية"، التي ترعاها محظرة النباغية الموريتانية، برنامجا يشمل الفقه والنحو وأصول الفقه والمنطق والتفسير. وهذه مواد تمنح الطالب أدوات لفهم الاستدلال ومناقشته؛ أما أثرها في الوقاية من التطرف فلا يقاس باسم المؤسسة أو بلغة طلابها وحدهما.

الحاجة وسلطة المعلم

قبل سؤال الطالب عما يفهمه، هناك سؤال عما يأكله وأين ينام. تصف أورور باغور، منسقة برامج الطفولة لدى منظمة "الإغاثة الإسلامية فرنسا" في مالي، أطفالا تسلمهم أسر فقيرة إلى معلمين قرآنيين، أحيانا بعيدا عن منازلهم. وتقول إن معلمين يعجزون عن تلبية احتياجاتهم، فيضطر الأطفال إلى التسول. وتتراوح أعمار الأطفال الذين تصف المنظمة أوضاعهم بين الخامسة والسابعة عشرة.

في هذه العلاقة يصبح المعلم مسؤولا عن التعلم والرعاية معا، وتزداد تبعية الطفل له. وفي تحليل نشره معهد توني بلير عام 2016، نقل الباحث رضى الياموري عن أعضاء سابقين في "بوكو حرام" محتجزين في النيجر أنهم انضموا بتشجيع من معلميهم الدينيين. كما نقل عن مصادر محلية في وسط مالي أن شبانا التحقوا بتنظيم أمادو كوفا بدافع الولاء لمعلمهم وخطيبهم.

وعرض الياموري مخاوف من استغلال بعض المعلمين مكانتهم لقاء المال، لكنه لم يقدم أساسا لتقدير حجم الظاهرة. تضع هذه الشهادات الحاجة المادية وسلطة المعلم ضمن ظروف الاستقطاب، من دون أن تثبت أن الفقر وحده يفسر تعاون معلم مع تنظيم مسلح، أو أن هذا التعاون يمثل المدارس القرآنية عموما.

وتزيد هشاشة التمويل صعوبة الاستقلال؛ إذ يعتمد كثير من المدارس، بحسب دراسة دياكيتي، على موارد ذاتية محدودة، مع ضعف الإشراف والرعاية العامة.

ماذا يأتي بعد الحفظ؟

لا يمر تغيير هذا الواقع بسهولة. فقد رصد دياكيتي تخوف بعض مؤسسي المدارس من أن يؤدي إدماجها في التعليم الرسمي إلى فقدان السيطرة عليها، ورفض بعض المعلمين إضافة الرياضيات واللغات خشية تغيير طبيعة التعليم القرآني. وفي المقابل، رأى طلاب قابلهم الباحث في الإصلاح فرصة للوصول إلى عمل مأجور.

وفي باماكو وموبتي، وسط مالي، تصف "الإغاثة الإسلامية فرنسا" تجربة بدأت بدعم المياه والصحة وتحسين ظروف الدراسة، ثم أتاحت الثقة مع المعلمين إدخال دروس في الفرنسية والرياضيات، وتدريبا مهنيا للأكبر سنا. وتروي باغور لحظة تعتبرها علامة نجاح: حين يدعوها شاب تلقى التدريب إلى زيارته في مكان عمله.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي