تيارات

الهوية تهمة.. الاشتباه العرقي في حرب الساحل

نازحون من الفولاني في موقع بارسالوغو ببوركينا فاسو، 15 يناير 2019. صورة أرشيفية — لامين تراوري/صوت أميركا

قال سكان في قرية ساناكوي، غرب بوركينا فاسو، إن جنودا ومسلحين موالين للحكومة اتهموهم بالتعاون مع التنظيمات المتطرفة لأن قريتهم لم تتعرض لهجوم. وأبلغ شاهد منظمة "هيومن رايتس ووتش" أنهم قدموا بطاقات هويتهم، لكن المسلحين لم ينظروا إليها، واقتادوا خمسة رجال من الفولاني عثر على جثثهم في اليوم التالي.

وقعت الحادثة في أغسطس 2024، وأوردتها المنظمة في تقرير نشرته في 2 أبريل 2026. وتتجاوز دلالتها مصير الرجال الخمسة: فبحسب الشهادة، استخدم غياب الهجمات عن القرية قرينة على تعاون أهلها مع المسلحين. وأصبحت جماعة سكانية مطالبة بتفسير نجاتها من العنف.

الفولاني من أكبر المجموعات السكانية في غرب أفريقيا والساحل. يرتبط جانب من تاريخهم بالرعي والتنقل، وتضم مجتمعاتهم أيضا تجارا ومزارعين وعلماء دين وسكان مدن. وقد أدى التحاق أفراد منهم بتنظيمات متطرفة إلى توسيع دائرة الاتهام لتشمل مدنيين بسبب انتمائهم، وفق توثيق المنظمة الحقوقية.

الاشتباه يتسع

وثقت "هيومن رايتس ووتش" مقتل أكثر من 1800 مدني في 57 واقعة بين يناير 2023 وأغسطس 2025 في بوركينا فاسو. وهذه حصيلة الوقائع التي حققت فيها المنظمة، واستندت إلى أكثر من 450 مقابلة، إضافة إلى صور وتسجيلات ووثائق؛ ولا تمثل حصيلة الحرب في البلاد.

وقالت إن الجيش وقوات "المتطوعين للدفاع عن الوطن"، وهي مجموعات مدنية تسلحها الدولة لمساندته، استهدفا الفولاني على خلفية اتهامهم بدعم التمرد. وشملت الاعتداءات، بحسب التقرير، سكانا يعيشون في مناطق تسيطر عليها جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بالقاعدة، وأشخاصا تربطهم علاقات بأفراد من الفولاني.

ووثقت المنظمة أيضا معاقبة الجماعة المتطرفة قرى اتهمتها بمساندة القوات الحكومية، وتهجير سكان رفضوا الخضوع لها. وفي هذه الحالات يحمل المدنيون تبعات وجود قوة مسلحة في مناطقهم، أو اتهام بعض جيرانهم بالتعاون معها.

وترفض حكومة بوركينا فاسو اتهامها باستهداف جماعة عرقية. ففي رسالة مؤرخة في 28 أبريل 2025، رفض وزير العدل نتائج المنظمة بشأن عمليات قرب مدينة سولينزو، غرب البلاد، وأكد أن مكافحة الإرهاب تستهدف الإرهابيين. وكانت الحكومة قد قالت إن القوات أنقذت نساء وأطفالا ومسنين استخدمهم المسلحون دروعا بشرية.

وفي مالي المجاورة، نقلت صحيفة "لوموند" في 7 مايو 2026 شهادات عن تصاعد الخوف لدى الفولاني والطوارق عقب هجمات 25 أبريل. وتحدث ناشط عن إنزال أشخاص من الحافلات عند الحواجز للاشتباه فيهم بسبب انتمائهم. وقال عبد الله أتايوب، رئيس منظمة للطوارق في أوروبا، إن الناس يخشون الخروج. وكانت السلطات المالية قد دعت، عقب هجمات سابقة في سبتمبر 2024، إلى تجنب الخلط بين الجماعات المسلحة والمجتمعات السكانية.

السلاح والانتماء إلى الدولة

درس الباحث تانغي كيدلور آثار تسليح المدنيين في بوركينا فاسو، في ورقة نشرها مشروع "ميغاترندز أفريقيا" البحثي في فبراير 2024. وخلص إلى أن تجنيد المجموعات المساندة للجيش أخل بالتوازن بين المجتمعات المحلية، واستبعد إلى حد كبير مجتمعات رعوية، خصوصا الفولاني.

وبحسب الباحث، منح الانضمام إلى هذه القوات مكانة اجتماعية ودعما ماديا، وأتاح لبعض أفرادها استخدام مهمة مكافحة الإرهاب في تصفية خصومات والاستيلاء على موارد. وأشار إلى شهادات عن اعتداءات بقي أصحابها عاجزين عن الوصول إلى العدالة.

ويربط كيدلور هذه الممارسات بخطاب سياسي يجعل المشاركة في القتال معيارا للوطنية، ويضع مجتمعات متنقلة أو مشتبهة في أصولها ضمن فئة "الأعداء الداخليين". ويصبح التشكيك في انتمائها إلى الدولة جزءا من تبرير معاملتها.

تساعد هذه القراءة على فهم ما يترتب على الاتهام الجماعي. فالشخص الذي يتعرض للتهديد بسبب أصله يحتاج إلى جهة تحميه وتحقق في الاعتداء عليه. وعندما يكون المتهم بالاعتداء مسلحا يعمل إلى جانب الجيش، تضعف ثقته بإمكان الحصول على حماية من مؤسسات الدولة. كما تسمح الخصومات المحلية بإدراج خلافات على الأرض والمواشي ضمن اتهامات أمنية يصعب على أصحابها دحضها.

اللغة التي تبرر الإقصاء

يمتد بناء الصورة السلبية إلى الإعلام. ففي دراسة نشرت عام 2021 في مجلة "ديسكورس آند كوميونيكيشن"، حلل الباحثان مارك نارتي وهانس لاديغارد 160 مادة صحفية عن رعاة الفولاني في غانا، منشورة بين 2010 و2020.

ورصدا تكرار تصويرهم باعتبارهم خطرا أمنيا وغرباء عن المجتمع، مع استخدام عناوين مثيرة ولغة تهويل. ولم تتضمن سوى 14 مادة من العينة أصوات الفولاني أو عرضا لمخاوفهم. وخلص الباحثان إلى أن هذه التغطية تسهم في ترسيخ التمييز وتمنح إجراءات إبعادهم قبولا لدى الجمهور.

تتناول الدراسة غانا وسياق نزاعات الرعي فيها، ولا تقيس مباشرة تغطية الحرب في مالي وبوركينا فاسو. لكنها تقدم تفسيرا لدور اللغة في جعل جماعة كاملة موضع اتهام: تتكرر الإشارة إلى أصل المشتبه فيهم، وتغيب رواية السكان المتضررين، فتترسخ صورة تربط الانتماء بالجريمة.

وفي تقريرها الصادر في أبريل 2026، قالت "هيومن رايتس ووتش" إن الناجين وعائلات الضحايا في بوركينا فاسو يطالبون باعتراف السلطات بما تعرضوا له، ومحاسبة المسؤولين وتعويض خسائرهم. ودعت إلى التحقيق في مسؤولية قادة القوات الحكومية والجماعات المسلحة عن الجرائم التي وثقتها.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي