أخبار

بعد تصويت البرلمان.. الجزائر تمهد لنشر قوات في النيجر وأنباء عن التمركز قرب ليبيا

مقاتلات جزائرية من طراز “سوخوي 30” في مطار نيامي، خلال مهمة لدعم الجيش النيجري، 30 أغسطس 2026. المصدر: وكالة الأنباء النيجرية “ANP”.

باريس : عين الساحل

فتحت موافقة مجلس الأمة الجزائري، الأحد 25 أكتوبر 2026، على إرسال مفرزة عسكرية إلى النيجر مسارا لتوسيع الانخراط الجزائري المباشر في الساحل، عبر مهمة ترتبط بحماية المصالح النفطية. وبالتوازي، برز اسم قاعدة ماداما، التي استخدمتها فرنسا سابقا قرب الحدود الليبية، ضمن الأنباء عن موقع محتمل لتمركز القوات، بما يضع شمال النيجر في صلب النقاش حول حدود الدور الجزائري الجديد.

وبحسب صحيفة “الخبر” الجزائرية، صادق المجلس بالإجماع على التماس من الرئيس عبد المجيد تبون لإرسال المفرزة، بطلب من النيجر، لحماية المشاريع الاستثمارية لشركة سوناطراك الدولية للاستكشاف والإنتاج “سيبكس”. ونقلت فرانس برس عن عضو في المجلس أن 148 عضوا صوتوا لصالح نشر قوات لحماية منشآت الطاقة في النيجر. وكانت موافقة المجلس الشعبي الوطني، الغرفة السفلى للبرلمان، لا تزال منتظرة في جلسة مقررة مساء الأحد، وفقا للتغطيات المتاحة وقت إعداد التقرير.

وتمنح المادة 91 من الدستور رئيس الجمهورية صلاحية إرسال وحدات الجيش إلى الخارج بعد موافقة ثلثي أعضاء كل غرفة من غرفتي البرلمان، وهو شرط أبقاه التعديل الدستوري المنشور في مارس 2026. وبذلك تمثل موافقة مجلس الأمة مرحلة في استكمال التفويض. ولم تتضمن المصادر التي راجعتها “عين الساحل” عددا موثقا لأفراد المفرزة أو مدة انتشارها أو موعد وصولها أو قواعد اشتباكها.

“تكشف هذه الوقائع انتقال العلاقة من تقديم المعدات إلى إظهار قدرة جزائرية على دعم الشريك عسكريا عند تعرضه لأزمة.”

وتأتي الخطوة بعد دعم عسكري جزائري سبقها على الأرض. ففي أغسطس الماضي قدمت الجزائر أربع مروحيات للنيجر، ثم أرسلت أربع مقاتلات إلى نيامي في نهاية الشهر، مع طائرات للإمداد والدعم، خلال أزمة تمرد عسكري هددت السلطة الحاكمة. وأكدت الوكالة النيجرية الرسمية وصول المقاتلات وطائرة للتزود بالوقود وأخرى للنقل العسكري في 30 أغسطس. وتكشف هذه الوقائع انتقال العلاقة من تقديم المعدات إلى إظهار قدرة جزائرية على دعم الشريك عسكريا عند تعرضه لأزمة.

وعزز بروتوكول التعاون العسكري الموقع في 21 أكتوبر هذا الاتجاه، خلال زيارة وزير الدفاع النيجري ساليفو مودي إلى الجزائر. ويأتي التقارب بعد استئناف تبادل السفراء في فبراير الماضي، بما يعكس سرعة ترميم العلاقة وتوسيعها إلى التزامات أمنية واقتصادية. وتقرأ “عين الساحل” في هذا التسارع سعيا جزائريا إلى تثبيت شراكة مع نيامي تجعل استقرار الجار الجنوبي جزءا أكثر مباشرة من حسابات الأمن الوطني.

وفي هذا السياق ظهرت أنباء ماداما. فقد نقلت وكالة الأناضول عن الدبلوماسي الجزائري السابق عمار بلاني توقعه أن تتمركز القوات الجزائرية في القاعدة الواقعة شمال شرقي النيجر قرب ليبيا. وسبقت ذلك إشارات نقلتها “الشرق الأوسط” عن السياسي الجزائري عبد المنعم بن حمدة إلى احتمال حصول الجزائر على حق استخدامها. وتظل هذه المعلومات منسوبة إلى أصحابها؛ ولم يظهر في المواد الرسمية المتاحة التي راجعتها “عين الساحل” إعلان يؤكد تخصيص القاعدة للجزائر أو بدء انتشار قواتها فيها.

وماداما موقع عسكري نيجري طورته فرنسا كنقطة ارتكاز متقدمة ضمن عملية “برخان” عام 2014. وتضعها وثائق الجمعية الوطنية الفرنسية على مسافة تقارب 100 كيلومتر من الحدود الليبية، وتشرح أهميتها في الوصول إلى مناطق عبور الجماعات المسلحة بين جنوب ليبيا والصحراء والساحل. وفي يوليو 2019 سحبت فرنسا قواتها من الموقع ووضعته في حالة خمول عملياتي، مع تحويل الجهد نحو منطقة ليبتاكو وغورما. ويسبق ذلك بسنوات انسحابها العسكري الكامل من النيجر في ديسمبر 2023.

“إذا تأكد اختيار ماداما، فسيمنح الانتشار الجزائري بعدا يتصل بمراقبة الممرات الصحراوية والاقتراب من المجال الليبي.”

وإذا تأكد اختيار ماداما، فسيمنح الانتشار الجزائري بعدا يتصل بمراقبة الممرات الصحراوية والاقتراب من المجال الليبي، إضافة إلى إمكان الاستفادة من منشأة سبق استخدامها للإسناد العسكري. وتقدير “عين الساحل” أن قيمة الموقع ستتحدد بنوعية القوة والتجهيزات والمهمة الموكلة إليها، وبقدرتها على الحصول على معلومات محلية وإدامة الإمداد في منطقة نائية. أما السيطرة الفعلية على طرق واسعة ومتحركة فتحتاج ترتيبات تتجاوز مجرد التمركز داخل قاعدة.

وتساعد جغرافية العنف في فهم حدود هذا الخيار. فبحسب مركز “أكابس”، تظل تيلابيري وديفا وشمال تاهوا من المناطق الأشد تأثرا بانعدام الأمن، مع توسع العنف في دوسو. وعليه، فإن تمركزا في ماداما، إن تحقق، سيخدم منطقة وممرات تختلف عن جبهة غرب النيجر المتصلة بمالي وبوركينا فاسو. وستبقى مساهمته في مكافحة التمرد الأوسع مرتبطة بنطاق المهمة المعلن والتنسيق مع القوات النيجرية.

ويمنح ملف الطاقة المهمة المرتقبة أساسا ماديا واضحا. ففي 13 أغسطس أعلنت سوناطراك إطلاق مشروع حفر أربع آبار استكشافية في امتياز كفرا، بواسطة شركتها التابعة “إينافور”، بعد تمديد الترخيص لعامين. وحددت الشركة الهدف في تقييم المكامن وإنتاجيتها والجدوى التجارية ووضع خطة للتطوير. وهذه مرحلة تجعل حماية العاملين ومعدات الحفر واستمرار الوصول إلى المواقع عناصر مؤثرة في مستقبل الاستثمار، مع بقاء الإنتاج التجاري للمشروع رهنا بنتائج التقييم.

ويتسع الارتباط الاقتصادي إلى الممرات العابرة للصحراء. فقد أعلنت سوناطراك في يونيو إطلاق أعمال المقطع الجزائري من خط الغاز الذي يفترض أن يربط نيجيريا بالنيجر والجزائر، وصولا إلى شبكة التصدير الجزائرية. وفي أغسطس بدأت أيضا تسويق شحنة من الخام النيجري بالشراكة مع “سونيديب”، عبر محطة سيمي في بنين. وتوضح هذه الوقائع تعدد مصالح الجزائر بين الاستكشاف والتجارة ومشروع نقل الغاز، الذي يجري تطويره ولم يدخل التشغيل.

“توسع المشاريع يرفع الحاجة إلى الحماية، والالتزام بالحماية يزيد ارتباط الجزائر باستقرار الشريك وبقدرته على تأمين الطرق والمواقع.”

ومن هذه الزاوية، ترى “عين الساحل” أن حماية الاستثمارات تفتح علاقة متبادلة بين الأمن والاقتصاد: توسع المشاريع يرفع الحاجة إلى الحماية، والالتزام بالحماية يزيد ارتباط الجزائر باستقرار الشريك وبقدرته على تأمين الطرق والمواقع. وقد يمنح هذا التداخل الجزائر نفوذا مستمرا في القرارات المتصلة بالطاقة والأمن، فيما يرتب عليها كلفة سياسية وعسكرية إذا امتدت التهديدات أو تعطلت المشاريع.

وتدخل الجزائر هذا المجال وسط حضور شركاء آخرين. فقد ساعد “الفيلق الأفريقي” الروسي القوات الموالية لنيامي على استعادة قاعدة جوية خلال تمرد أغسطس، بحسب رويترز. ووقعت تركيا في أبريل بروتوكولا لتقديم دعم تدريبي داخل النيجر، فيما تمتلك الصين مصالح راسخة في النفط والتكرير وخط التصدير إلى بنين، باستثمارات تتجاوز خمسة مليارات دولار وفق رويترز. وتتقاطع هذه الأدوار عند حاجة نيامي إلى الحماية والتمويل والتجهيز، مع احتفاظ كل شريك بأدواته ومصالحه.

وتمنح الجغرافيا الجزائر ميزة القرب وإمكان وصل التعاون العسكري بممرات الطاقة والتجارة عبر حدودها. وفي قراءة “عين الساحل”، يتيح تعدد الشركاء لنيامي توسيع خياراتها في طلب المساندة، ويزيد في الوقت نفسه حاجتها إلى تنظيم تبادل المعلومات وتوزيع المسؤوليات. ولا تثبت مشاركة الجزائر وروسيا في دعم السلطات خلال أزمة واحدة وجود قيادة مشتركة أو اتفاق على تقاسم الأدوار، كما أن الاستفادة المحتملة من ماداما تحتاج إلى ترتيبات ثنائية واضحة مع الدولة النيجرية.

وتكشف المقارنة مع التجربة الفرنسية حجم الاختبار المقبل. فقد ارتبط استخدام ماداما سابقا بمحاولة اعتراض تحركات الجماعات المسلحة عبر الصحراء. وستواجه أي قوة تستفيد من الموقع متطلبات المسافات والإمداد والمعلومات والتعاون مع السكان، بينما ستحدد طبيعة التفويض الجزائري مقدار تعرضها لهذه الأعباء. ويصبح توضيح حدود مهمة حماية المنشآت حاسما كلما اقتضت الحماية التحرك خارج محيط المواقع أو تأمين طرق الوصول إليها.

وترجح “عين الساحل” أن يدفع هذا المسار نحو شراكة جزائرية نيجرية أكثر ارتباطا بين الاستثمار والحماية العسكرية. وسيكون المؤشر الأهم في المرحلة المقبلة حجم القوة المعلنة، ومواقع انتشارها، ومدة المهمة، وآليات مراجعتها. فإذا تأكد تمركزها في ماداما، سيضيف ذلك امتدادا عملياتيا قرب ليبيا إلى مهمة تتصدرها حماية المصالح النفطية؛ وعندها ستقاس فاعلية الدور الجزائري بقدرته على تأمين هذه المصالح ضمن التزام محدد يمكن إدامته ومراجعته.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي