تركيا تزاحم روسيا في الساحل.. سباق على تسليح الجيوش والنفوذ
الديسك المركزي: قراءة عين الساحل
مع طرح أنقرة اتفاقا للدفاع والأمن مع بوركينا فاسو هذا الأسبوع، يتعزز موقع تركيا داخل شبكة الشراكات التي تعيد تشكيل القوة العسكرية في الساحل. ويأتي التحرك بعد انتشار منظوماتها الجوية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد، بالتوازي مع توسع شركاتها في الكهرباء والمطارات والتعدين. وفي قراءة “عين الساحل”، تتراكم بذلك علاقة تمنح أنقرة تأثيرا في قدرات هذه الدول القتالية وفي قطاعات ترتبط بمواردها واستمرار خدماتها.
توضح الصفقات المعلنة حجم الالتزام بهذا المسار. فقد تعاقدت مالي على ست مسيرات “أقينجي” بقيمة 210 ملايين دولار، وفق وثائق راجعتها منظمة “ذا سنتري”، بينما تسلمت بوركينا فاسو نحو 12 مسيرة من طرازي “تي بي 2” و“أقينجي” في دفعة أعلنتها الرئاسة عام 2024. وتستخدم تشاد طائرات ومسيرات من “توساش”، فيما تشمل مشتريات النيجر مسيرات وطائرات تدريب وقتال ومدرعات. وتعكس هذه المشتريات انتشارا لدى أربعة جيوش ذات احتياجات أمنية وميدانية مختلفة.
ويمنح هذا الانتشار أنقرة موقعا في تطوير الاستطلاع والقصف لدى جيوش تقاتل على مساحات واسعة وتواجه صعوبات في الحركة والإمداد. وتشغل القوات المالية المسيرات التركية مع مشاركة أتراك في التدريب والدعم، بحسب “ذا سنتري”. ومن المرجح أن يستمر طلبها على الذخائر والصيانة وقطع الغيار والتأهيل الفني، بما يرفع كلفة تغيير المورد ويمنح العلاقة العسكرية عمرا يتجاوز تسليم الطائرات.
“استمرار الطلب على الذخائر والصيانة وقطع الغيار يرفع كلفة تغيير المورد، ويمنح العلاقة العسكرية عمرا يتجاوز تسليم الطائرات.”
ويتصل هذا المسار بمراكز القرار السياسي. فالجهة التي وقعت عقد “أقينجي” المالي كانت وكالة أمن الدولة، المرتبطة مباشرة بالرئيس عاصمي غويتا. وبلغت موازنتها السنوية المعلنة في سنة التعاقد نحو 30 مليون دولار، بينما بلغت القيمة الإجمالية للعقد 210 ملايين، ولم تعثر “ذا سنتري” على سجل علني يوضح مصدر تمويله. وتكشف طريقة الشراء تركيز قرار استراتيجي للتسليح قرب الرئاسة، وتفتح تساؤلات عن الرقابة على الإنفاق وحدود الفصل بين أمن الدولة وأمن الحكم.
وتعمل تركيا داخل بيئة تتجاور فيها مصالح قوى متعددة. تحتفظ روسيا بقوة قتالية مباشرة، وظهر دور “فيلق أفريقيا” في مساعدة سلطات النيجر على استعادة قاعدة نيامي من جنود متمردين في أغسطس 2026. وتضع الواقعة حماية مراكز الحكم ضمن الوظائف الفعلية لبعض الشراكات الجديدة. وتجمع الجيوش المستفيدة بين إسناد روسي مباشر ومنظومات تركية، بما يوزع وظائف القتال والتجهيز بين شركاء مختلفين، ويترك العقود والإنفاق مجالا للمنافسة.
وتتسع العلاقة التركية إلى مؤسسات الأمن الداخلي. فبروتوكول التدريب داخل النيجر، وزيارات الدرك التركي إلى بوركينا فاسو، والمباحثات الأمنية مع مالي، توفر قنوات اتصال وتأهيل مع أجهزة تتولى مكافحة الإرهاب وحماية المؤسسات وضبط الأوضاع الداخلية. وتزيد معرفة الكوادر واحتياجاتها فرص أنقرة في عقود التجهيز والتدريب اللاحقة.
وفي هذا المجال، ترد روايات عن شركة “سادات” للاستشارات والتدريب الدفاعي. ونقلت فرانس برس عام 2024 عن مقاتلين سوريين قولهم إنهم وقعوا عقودا معها للعمل في النيجر، وقال أحدهم إن مهمته كانت حراسة موقع قرب منجم. ونفت وزارة الدفاع التركية هذه الروايات، كما نفت الشركة أي نشاط في النيجر ومالي وبوركينا فاسو. وتبقى البيانات المنشورة عن حجم الأفراد والمتعاقدين الأتراك محدودة، فيما توضح المعدات والعقود الحكومية والتدريب المعلن نطاقا متسعا للتعاون.
“مصالح الكهرباء والمطارات والتعدين تمنح أنقرة أسبابا لاستمرار الانخراط مع الحكومات المتعاقبة.”
ويمنح النشاط الاقتصادي هذه العلاقات أفقا زمنيا أطول. فعقد شركة “أكسا” لإنشاء وتشغيل محطة كهرباء في بوركينا فاسو يمتد عشرين عاما، ويستهدف قدرة تبلغ 119 ميغاواط، مع تشغيل متوقع في 2027. وتشغل الشركة محطة بقدرة 60 ميغاواط في مالي. وتدير “سوما” مطار نيامي، بينما تتحرك شركة التعدين التركية “إم تي إيه آي سي” عبر تراخيص لاستكشاف الذهب في النيجر. وتزيد هذه الأصول تعرض المصالح التركية لاضطراب النقل والوقود والأمن، وتمنح أنقرة أسبابا لاستمرار الانخراط مع الحكومات المتعاقبة.
ويضيف الثقل الاقتصادي الصيني مصالح تحتاج إلى حماية المرافق والممرات. فقد استثمرت “سي إن بي سي” أكثر من خمسة مليارات دولار في النفط والتكرير وخط التصدير من النيجر إلى بنين، وبدأت “غانفنغ” إنتاج مركزات الليثيوم في مالي. وتورد الصين كذلك منظومات تسليح. وتجعل هذه الاستثمارات أمن الطرق والطاقة والتصدير أولوية مشتركة لدى الحكومات والشركات، وتزيد قيمة الشركاء القادرين على توفير الاستطلاع والتجهيز والتدريب.
وتصل أنقرة إلى قطاعات مدنية عبر “تيكا” و“معارف” ومؤسسة الديانة والمساعدات الصحية والمنح التعليمية. وتدير “معارف” ست مدارس في تشاد، ولديها مدارس في بوركينا فاسو، بما يتيح صلات بطلاب وموظفين ومؤسسات خارج الأجهزة العسكرية. ويرافق ذلك اتساع السوق التركية؛ فقد ارتفعت صادراتها إلى بوركينا فاسو بنحو 45% بين 2023 و2025.
وتضيف الجزائر عمقا إقليميا إلى هذا التداخل. فدعمها الجوي للنيجر وتوسيع التعاون العسكري معها يربطان أمن نيامي بحسابات دولة مجاورة، تتأثر مباشرة بالتهريب وحركة الجماعات المسلحة واضطراب الحدود. وتوسع المساعدة الجزائرية خيارات نيامي العسكرية وتمنحها دعما قريبا من مجالها الجغرافي. ويظل الانتشار البري الجزائري المتداول في التقارير خارج القرارات الرسمية المعلنة حتى 24 أكتوبر.
“ترجح عين الساحل تبلور شبكة شراكات ثنائية طويلة الأمد، تتقاطع فيها حاجات الحكم والقتال والموارد.”
وتمنح هذه الخيارات الحكومات العسكرية هامشا أكبر للمساومة بين الموردين. ويمكنها توزيع احتياجات القتال والطيران والتجهيز والتمويل على عدة شركاء، مع تراكم التزامات مالية وفنية مختلفة. وتتحرك تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، داخل هذا الهامش بعلاقات ثنائية تسمح لها بالتعامل مع حكومات ابتعدت عن فرنسا والولايات المتحدة. ويتيح ذلك لأنقرة توسيع السوق والحضور السياسي مع الحفاظ على روابطها الدولية الأخرى.
ويعيد تراجع القواعد الغربية توزيع أدوات النفوذ. فقد خرجت القوات الفرنسية من مالي والقوات الأميركية من النيجر، واستمرت مصالح اقتصادية وأشكال تعاون أخرى. وتوضح موافقة التمويل الأميركية لمشروع يورانيوم “داسا” بالنيجر، وتجديد التعاون الدفاعي الفرنسي مع تشاد، قدرة اللاعبين السابقين على العودة عبر قطاعات وعقود محددة. وتزداد بذلك خيارات الحكومات وقدرتها على مراجعة الشراكات تبعا للحاجة.
وفي الميدان، حيث تتوقف قيمة التسليح على الجاهزية ومهارة الطواقم ودقة المعلومات واستمرار الإمداد، نقلت “لوموند” عن مصدر حكومي تشادي حديثه عن أعطال ومشكلات لوجستية للمسيرات التركية. ويظل ضعف الإدارة والحماية مصدرا لهشاشة السيطرة وإمكان عودة التنظيمات المسلحة.
وترجح “عين الساحل” تبلور شبكة شراكات ثنائية طويلة الأمد، تتقاطع فيها حاجات الحكم والقتال والموارد. وتتحرك تركيا داخلها بموقع متقدم في التجهيز الجوي والتدريب، وبمصالح اقتصادية تمتد آجال بعضها إلى عشرين عاما. ومن المرجح أن تتسع المنافسة إلى الصيانة والتحديث والدعم الفني، مع تراكم التزامات الحكومات تجاه موردين متعددين. وقد يطيل تركيز هذه الشراكات على حماية مراكز الحكم والقوة الجوية والمنشآت مرحلة الاعتماد على الخارج، خصوصا إذا استمر ضعف الإدارة المحلية والخدمات والحماية في المناطق الريفية.
