طرق التصوف في الساحل.. أين الصوت المستقل؟
تثير المواقف المعلنة لقيادات صوفية في الساحل سؤالا يتجاوز بقاء الطرق وكثرة أتباعها: ما الذي يبقى من دورها إذا غلب على صوتها تأييد السلطة، بينما تستقطب التنظيمات المتطرفة شبانا من المجتمعات التي كانت تستند إليها؟
الطرق الصوفية، وفي مقدمتها التجانية والقادرية، شبكات للتعليم الديني والعبادة والتكافل، يقودها شيوخ تجمعهم بأتباعهم روابط تتجاوز الحدود. ويشير مسح نشره مركز "بيو" عام 2012 إلى اتساع قاعدتها: انتسب 92% من المسلمين المستطلعين في السنغال إلى طرق صوفية، و34% من المسلمين في النيجر إلى التجانية وحدها. الأرقام قديمة، لكنها توضح حجم المؤسسات التي تواجه اليوم سؤال التأثير والاستقلال.
حين يطغى تأييد السلطة
في مالي، أشاد عثمان مدني حيدرة، رئيس المجلس الإسلامي الأعلى وأحد أبرز القادة الدينيين ذوي المرجعية الصوفية، بالسلطات العسكرية ورئيسها عاصمي غويتا خلال مؤتمر صحفي في 2 سبتمبر 2026، وفق موقع "بامادا". وفي النيجر، شكر شيخ التجانية موسى أبو بكر دعم السلطات، خلال تجمع ديني في أغسطس، دعا فيه حاكم المنطقة الحاضرين إلى التعاون مع الجيش لمكافحة الإرهاب، بحسب وكالة الأنباء النيجرية.
تثبت هذه المواقف وجود قنوات بين الشيوخ والحكومات. لكنها تترك سؤالا آخر مفتوحا: هل يستخدم الشيخ قربه من السلطة لنقل مطالب الناس والاعتراض على المظالم، أم يقتصر دوره على حشد التأييد لها؟ فالدعاء للاستقرار وتأييد الجيش لا يقدمان، وحدهما، جوابا عن أسباب قبول بعض السكان بالتنظيمات المسلحة.
وفي هذا الجانب، يقدم تقرير "رحلة إلى التطرف في أفريقيا"، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023، تحذيرا واضحا. فهو يرى أن الإفراط في البرامج التي تقودها الدولة، واستيعاب المؤسسات المجتمعية داخل أجندتها، قد يضعف نتائج الوقاية من التطرف على المدى الطويل. ويدعو إلى شراكة تمنح الفاعلين المحليين دورا فعليا، ويحذر من استخدامهم لاستخراج المعلومات أو نقل المخاطر إليهم.
وتشير هذه القراءة إلى أهمية استقلال المرجعية الدينية: فحين يكون الخلاف مع السلطة مصدرا للغضب، قد يضعف الاكتفاء بتأييدها قدرة الشيخ على الوساطة ونقل مطالب المتضررين.
المتطرفون نافسوا الشيوخ على المجتمع
تقدم دراسة ميدانية لمجموعة الأزمات الدولية عن شمال بوركينا فاسو، نشرت في أكتوبر 2017، تفسيرا أكثر تحديدا لتراجع بعض المرجعيات. فقد ربطت صعود إبراهيم ديكو، مؤسس تنظيم "أنصار الإسلام"، باعتراضات على نظام اجتماعي تحتكر فيه أسر معينة السلطة الدينية والمكانة الموروثة.
وبحسب الدراسة، هاجم ديكو امتيازات أسر دينية ينتمي بعضها إلى التجانية، وانتقد الأموال المدفوعة للشيوخ وتكاليف المناسبات، ودعا إلى المساواة بين الفئات الاجتماعية. واستقطب هذا الخطاب بعض المهمشين، قبل أن يتخذ مشروعه شكلا مسلحا.
ولم تعز مجموعة الأزمات اتساع نفوذه إلى قوة خطابه وحدها؛ بل أشارت إلى ضعف انخراط المرجعيات الدينية والتقليدية في مواجهة التطرف، وتنافسها وتسييسها، وغياب خطاب بديل قادر على مواجهته في منطقة سوم، شمال البلاد.
توضح هذه الحالة أن المنافسة تناولت حق الشيوخ في تمثيل الناس وتفسير مشكلاتهم. فعندما ارتبطت المرجعية بالمكانة والامتيازات، استطاع المتطرف أن يقدم تحديه لها بوصفه اعتراضا على الظلم. لكنها لا توفر إحصاء لانتقال أتباع الطرق إلى التنظيمات؛ الأدق أنها توثق استقطابا داخل بيئة دينية واجتماعية كانت المرجعيات التقليدية تتمتع فيها بالنفوذ.
خطاب يجيب عن حياة الناس
يرى الباحث السنغالي بكاري سامبي، مدير "معهد تمبكتو"، أن الطرق تحتاج إلى جعل رسالتها أوضح وأقرب إلى واقع الشباب. وفي مقابلة نشرها المعهد في يناير 2018، عدّها حاجزا أمام التطرف، لكنه شدد على الجهد المطلوب لمنافسة خطاب سلفي أبسط وأكثر استخداما للوسائل الرقمية. تناول رأيه المنافسة الدينية الأوسع، ولا يعني أن كل انتقال إلى السلفية انتقال إلى العنف.
وتوضح بيانات التقرير الأممي أن هذه المنافسة ترتبط أيضا بما يتوقعه الناس من الحماية والإنصاف. ففي العينة المالية من مقابلات أجريت خلال 2020 و2021، رأى 70% ممن انضموا طوعا إلى تنظيمات متطرفة، عند التحاقهم بها، أنها توفر وساطة في النزاعات المحلية، و71% أنها توفر الأمن اليومي. هذه تصورات المنضمين، وليست تقييما مستقلا لأداء التنظيمات.
وتشير هذه الدراسات إلى أن وزن الطرق لا يقاس بحشودها وحدها. فالدور الذي ينازعها عليه المتطرفون يشمل تمثيل الناس وتفسير مظالمهم والتدخل في نزاعاتهم. واستعادة هذا الدور تتطلب صوتا مسموعا في مواجهة الظلم، وعملا يتجاوز بيانات تأييد السلطة.
