تيارات

مستشار بن لادن السابق يحاور السجناء.. ماذا بعد نبذ العنف؟

محفوظ ولد الوالد، المعروف بـ"أبو حفص الموريتاني"، خلال مقابلة مع الجزيرة — صورة أرشيفية.

شارك محفوظ ولد الوالد، المعروف بـ"أبو حفص الموريتاني" والمستشار السابق لأسامة بن لادن، في لجنة علماء حاورت سجناء متهمين بالتطرف في موريتانيا، ضمن مسار أفضى إلى العفو وتخفيف العقوبات عن تسعة مدانين في 19 يونيو 2026. وأعادت مشاركته طرح سؤال يتجاوز الإفراج: ما الذي يتغير حين يعلن شخص تخليه عن أفكار كانت تبرر له العنف؟

وبحسب البيان الرئاسي الذي نشرته وسائل إعلام موريتانية، شملت الإجراءات إسقاط بقية العقوبات السالبة للحرية والغرامات والرسوم والمصاريف القضائية عن ثلاثة سجناء، واستبدال العقوبة الأصلية بالمدة المقضية في السجن لستة آخرين. وقالت الرئاسة إن القرار جاء بعد مراجعات فكرية وتقييم وافق عليه المشرفون على الحوار.

وسبق القرار بيان وقعه 14 سجينا، تعهدوا فيه بالحفاظ على أمن البلاد وسكانها وزوارها والمقيمين فيها، وفق وكالة "الأخبار" الموريتانية المستقلة. والفارق بين عدد الموقعين وعدد المستفيدين يوضح أن إعلان التوبة لم يكن وحده كافيا للإفراج عن الجميع.

مراجعة مبررات العنف

تقدم لجنة العلماء الحوار بوصفه نقاشا في الأسس التي استند إليها السجناء لتبرير مواقفهم. وفي بيان نشرته الوكالة الموريتانية للأنباء في 6 أبريل 2026، قالت إن مهمتها تناولت التكفير، والخروج المسلح على الدولة، والاعتداء على من تحرم الشريعة الاعتداء عليهم، والانضمام إلى التنظيمات المتطرفة.

وذكرت اللجنة أن آخر لقاءاتها آنذاك جرى خلال مارس، وأن غالبية المشاركين أعلنوا مراجعات وثقت في بيان جماعي وتسجيلات وشهادات فردية. وأضافت أن تقدير جدية هذه المراجعات استند إلى قرائن درستها، وإلى متابعة الأجهزة الأمنية لسلوك المعنيين خلال سنوات.

وتحمل مشاركة "أبو حفص" دلالة خاصة: فمن موقعه السابق مستشارا لبن لادن ومنظرا في "القاعدة"، انتقل إلى مناقشة مبررات العنف لدى السجناء. وتتيح تجربته فهما للمرجعية التي يستند إليها بعضهم، من دون أن تثبت وحدها تأثيره في مراجعاتهم.

أما رئيس اللجنة، محمد المختار ولد امباله، فقال في مؤتمر صحفي في 20 يونيو إن الحوار يقوم على الإقناع والاستدلال الشرعي، رافضا وصفه بصفقة أو مقايضة. وأوضح أن بعض السجناء يرفضون المشاركة أو ينسحبون، وأن الانخراط فيه طوعي، بحسب التغطية المنشورة للمؤتمر.

ترك التنظيم وتغيير القناعة

يفرق تقرير "رحلة إلى التطرف في أفريقيا"، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عام 2023، بين الانسحاب من تنظيم متطرف وتغيير المعتقدات التي تدعم العنف. فالانسحاب تغير في السلوك أو الدور، وقد يحدث لأسباب مختلفة، من دون مراجعة فكرية عميقة. أما التخلي عن الأفكار المتطرفة فيتعلق بتغير القناعة نفسها.

وهذا الفرق يساعد على قراءة التجربة الموريتانية. فالتعهد باحترام أمن الآخرين يمكن أن يمثل تحولا مهما، لكنه لا يجيب وحده عن مدى تغير نظرة صاحبه إلى المختلفين معه، أو عن موقفه من عنف يرتكب خارج بلاده. والتقييم هنا يتصل بمضمون المراجعة واستمرارها في الحياة اليومية، إلى جانب الابتعاد عن التنظيم.

ويرى الباحث المتخصص في الإرهاب بابا أدو، في حديث نشرته "لوموند" في 30 يونيو، أن محافظة المجتمع الموريتاني تتيح إدماج أشخاص يحتفظون بمواقف سلفية متشددة، ما داموا يتخلون عن العنف.

وتجعل التفرقة بين السلوك والقناعة الهدف الأمني المباشر للحوار قابلا للتمييز عن التحول الفكري الأشمل. فالامتناع عن الاعتداء نتيجة ملموسة، بينما تحتاج المواقف من التكفير وإباحة الدماء إلى النظر في ما يقوله الشخص ويفعله بعد خروجه، وليس في إعلان المراجعة وحده.

الاختبار يبدأ بعد الإفراج

قال "أبو حفص" في المؤتمر الصحفي إن العفو حظي بتزكية الجهات العلمية والأمنية والسياسية، وإن عشرات ممن أفرج عنهم سابقا لم تسجل بينهم انتكاسات، بل شارك بعضهم في التحذير من التطرف، وفق وكالة "الأخبار".

لكن العرض المنشور لهذه التصريحات لا يتضمن جدولا بأعداد المستفيدين وفترات متابعتهم أو تعريفا محددا للانتكاس. وتبقى لذلك شهادة أحد المشاركين في إدارة التجربة، ولا تكفي وحدها لاستخراج نسبة نجاح مستقلة أو قياس عمق التحول الفكري.

وأوضح رئيس اللجنة، وفق الوكالة الرسمية، أن عمل العلماء يقتصر على الجانب الفكري والشرعي، بينما تتولى مؤسسات الدولة ملفات التأهيل والإدماج والمتابعة. وهذا يعني أن انتهاء النقاش الديني لا ينهي المسار؛ فالحياة خارج السجن تختبر القدرة على الاستقرار والابتعاد عن العلاقات والأنشطة المرتبطة بالعنف.

تفتح التجربة الموريتانية مجالا للخروج من التطرف عبر مراجعة مبرراته، وتمنح الدولة وسيلة إضافية لتقليل الخطر. غير أن قيمتها الدائمة تتحدد بما يستمر بعد العفو: احترام أمن الآخرين، وقطع الصلة بالعنف والتحريض عليه، والقدرة على العيش داخل المجتمع. عند هذا الحد يمكن التمييز بين تغيير يعلنه السجين وتغيير يثبته سلوكه.

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي