من دارفور إلى أبيي.. الجيش السوداني يكرر قصف الأسواق
جوبا - عين الساحل
أعاد قصف سوق أميت في منطقة أبيي، ومقتل 153 شخصا على الأقل بحسب السلطات المحلية، تسليط الضوء على غارات الجيش السوداني التي أوقعت خسائر كبيرة بين المدنيين في الأسواق والأحياء السكنية، رغم الإدانات الدولية والمطالبات المتكررة بالتحقيق والمحاسبة.
وأصاب القصف، الذي وقع في 19 أكتوبر، منطقة تجارية ومستودع وقود، وتسبب في حريق أعاق انتشال الجثث. وقال وزير الإعلام المكلف في إدارة أبيي، يوحنا أكول نقور، إن الحصيلة مرشحة للارتفاع مع استمرار البحث عن الضحايا.
ونقلت أسوشيتد برس عن ضابط سوداني كبير، طلب عدم كشف اسمه، أن الجيش استهدف ناقلات وقود قال إنها كانت متجهة إلى قوات الدعم السريع. وقال المسؤول المحلي إن المستودع يخدم الأنشطة التجارية في المنطقة. ولم تعلن قيادة الجيش رسميا مسؤوليتها عن قصف السوق.
حصائل تتكرر
سبقت أبيي غارات دامية على أسواق في دارفور. وتبلغ حصائل القتلى المعلنة في ثلاث وقائع، هي كبكابية وطرة وأميت، 249 شخصا على الأقل، بحسب أرقام نشرتها الأمم المتحدة ومجموعات إغاثية وسلطات محلية. ولا يشمل هذا الرقم بقية الأسواق والمناطق المدنية التي تعرضت للقصف منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
في 9 ديسمبر 2024، تعرضت السوق الأسبوعية في كبكابية بشمال دارفور لغارات أثناء تجمع السكان للتسوق. وأورد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقارير عن مقتل 42 مدنيا على الأقل في قصف للجيش، بينما أعلنت مجموعات سودانية حصائل أعلى. ونفى الجيش مسؤوليته عن الهجوم.
وقالت منظمة العفو الدولية إن بين القتلى نازحين فروا إلى البلدة هربا من هجمات في مناطق أخرى. ووصفت قصف السوق المكتظة بأنه جريمة حرب، مؤكدة أن احتمال وجود مقاتلين لا يبرر الهجوم على المدنيين.
وفي 24 مارس 2025، أصابت غارة السوق الأسبوعية في طرة، شمال الفاشر، وأشعلت حريقا واسعا. ونقلت أسوشيتد برس عن مجموعات إغاثية سودانية مقتل 54 شخصا على الأقل وإصابة 23 وفقدان سبعة.
ونفى المتحدث باسم الجيش استهداف المدنيين، وقال إن القوات المسلحة تتعامل مع أهداف معادية. لكن صورا ومقاطع من الموقع أظهرت متاجر محترقة وجثثا متفحمة. وتحقق مركز مرونة المعلومات من موقع المشاهد، وطابقها مع آثار حريق ظهرت في صور الأقمار الصناعية.
غارات على أحياء مأهولة
في نيالا، عاصمة جنوب دارفور، وثقت “هيومن رايتس ووتش” خمس غارات وقعت في 3 فبراير 2025، مستندة إلى شهادات ناجين وعاملين طبيين، وصور أقمار صناعية وبقايا ذخائر.
وأصابت الغارات أحياء سكنية وتجارية، بينها متجر قرب مستشفى للعيون وطرق مزدحمة بالمارة والسيارات. وأوردت المنظمة مقتل 32 شخصا في ذلك اليوم، نقلا عن “أطباء بلا حدود”.
وخلص التحقيق إلى أن الجيش استخدم قنابل غير موجهة واسعة الأثر ومحدودة الدقة في مناطق مكتظة، ووصفت المنظمة الهجمات بأنها عشوائية وجرائم حرب ظاهرة، ودعت إلى فرض عقوبات على قيادة سلاح الجو.
وقال الباحث في المنظمة جان باتيست غالوبان إن الغارات قتلت رجالا ونساء وأطفالا، ودمرت أسرا ودفعت السكان إلى النزوح.
وتظهر هذه الوقائع أن الخسائر المدنية لا تقتصر على حادثة منفردة أو منطقة واحدة. فقد تكرر قصف الأسواق والأحياء المأهولة في أوقات ومدن مختلفة، مع استمرار الجيش في نفي استهداف المدنيين أو تأكيد ملاحقة مواقع يستخدمها خصمه.
ولا يسقط وجود هدف عسكري واجب حماية السكان. إذ يتعين على القوة المهاجمة التحقق من الهدف، واختيار الوسائل التي تقلص الخسائر المدنية، وإلغاء الضربة إذا كان الضرر المتوقع بالمدنيين مفرطا مقارنة بالميزة العسكرية المنتظرة.
إدانات ومطالب بالمحاسبة
أدان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في 21 أكتوبر، الهجمات قرب سوق أميت وتوداش في أبيي، ومقتل مدنيين بينهم نساء وأطفال. وطالب بالمحاسبة ومنع تكرار الهجمات والحفاظ على وضع المنطقة المنزوعة السلاح.
وسبق أن أدانت المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان، كليمنتين نكويتا سلامي، قصف سوق طرة، واعتبرته دليلا على تزايد الاستخفاف بحياة البشر والقانون الإنساني.
وترى “عين الساحل” أن تكرار الضربات يستدعي تحقيقا يتجاوز كل واقعة على حدة إلى مراجعة طريقة اختيار الأهداف واستخدام الذخائر داخل التجمعات المدنية. فاستمرار القصف دون إعلان نتائج تحقيقات مستقلة، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات، يبقي السكان عرضة لهجمات مماثلة.
ولا يكفي نفي استهداف المدنيين لإغلاق هذه الملفات. فالسؤال يشمل المعلومات التي سبقت الضربة، ومن أجاز تنفيذها، وما إذا كانت القيادة قد اتخذت احتياطات لحماية الموجودين في السوق.
شهادات وصور تتجاوز الرواية العسكرية
خرجت تفاصيل كثير من هذه الهجمات عبر سكان صوروا الدمار، وأطباء سجلوا الإصابات، ومتطوعين جمعوا أسماء القتلى، قبل أن تنقلها وسائل إعلام وتفحصها منظمات مستقلة.
وأتاحت هذه المواد مقارنة روايات الجيش بما حدث على الأرض. ففي طرة، أظهرت الصور حجم الحريق داخل السوق. وفي نيالا، ساعدت بقايا الذخائر في تحديد القنابل المستخدمة، فيما وثقت صور الأقمار الصناعية الأضرار التي لحقت بالمباني.
ويواجه الصحفيون السودانيون قيودا وتهديدات تحد من قدرتهم على تغطية الحرب. ووثقت لجنة حماية الصحفيين اعتقالات وملاحقات قانونية في مناطق سيطرة الجيش، وقالت إنها تسهم في إسكات الصحافة المستقلة والتحكم بما ينشر عن النزاع. كما وثقت انتهاكات جسيمة يرتكبها الدعم السريع بحق الصحفيين.
وتؤكد “عين الساحل” أن حماية المراسلين وإتاحة الوصول إلى مواقع القصف ضروريان لمنع طمس الوقائع. فغياب التغطية المستقلة يترك أسر الضحايا أمام روايات متعارضة، ويصعب جمع الأدلة اللازمة للمحاسبة.
وفي أبيي، تواصل القوة الأممية التحقق من أعداد الضحايا والمفقودين، بعدما نشرت فرقا طبية وإطفاء وقوات استجابة سريعة لإجلاء المصابين والسيطرة على الحريق.
