تيارات

نخب الساحل.. المثقف بين الخوف والاصطفاف

الكاتب النيجيري وولي سوينكا خلال محاضرة في ستوكهولم، 4 أكتوبر 2018. تصوير: Frankie Fouganthin / Wikimedia Commons.

خرج الكاتب والأكاديمي المالي إتيان فاكابا سيسوكو من السجن في مارس 2025، بعد عام قضاه خلف القضبان على خلفية كتاب ينتقد الاتصال الحكومي في ظل الحكم العسكري. وفي سبتمبر من العام نفسه، غادر بلاده مع أسرته، بعدما تجددت التهديدات إثر إعلانه عزمه نشر كتب ألفها في السجن، بحسب توثيق منظمة "القلم الدولية" المنشور في أبريل 2026.

تختصر هذه الرحلة جانبا من مأزق المثقف في الساحل: القدرة على الكتابة باقية، لكن البقاء في البلد والوصول إلى الجمهور أصبحا أكثر كلفة. وقد أدين سيسوكو بتهم شملت التشهير ونشر أخبار كاذبة تمس السلم العام، وهي اتهامات وصفتها المنظمة بأنها ملفقة لإسكات نقده.

في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث تتزامن الحرب مع حكم عسكري وتقييد للنشاط المدني، يبدو صوت الكتاب والجامعيين وأصحاب المبادرات الفكرية أقل حضورا مما تستدعيه الأزمة. غير أن الوقائع لا تسند حكما بموت المثقف؛ إنها تكشف التضييق على أصوات مستقلة، إلى جانب خلاف حول معنى الاستقلال نفسه: استقلال الدولة عن الخارج، وحدود سلطة حكامها على المواطنين.

حين يصبح النقد مخاطرة

في النيجر، يقدم موسى تشانغاري نموذجا لصوت يجمع بين المطالبة بالسيادة والدفاع عن الحريات. وهو الأمين العام لجمعية "فضاءات المواطنة البديلة"، ومن الوجوه التي شاركت في النضال الديمقراطي منذ تسعينيات القرن الماضي. شمل عمله التثقيف المدني والبرامج الإذاعية، وسبق أن درّس حقوق الإنسان في أكاديمية الشرطة بالعاصمة نيامي.

وثقت المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب، في فبراير 2026، استمرار احتجازه منذ اعتقاله في ديسمبر 2024. ووجهت إليه اتهامات تتعلق بالإرهاب والمساس بالدفاع الوطني والتخابر مع قوى معادية، بينما اعتبرت منظمات حقوقية أن القضية تستهدف نشاطه السلمي. وكانت السلطات قد اعتقلته أيضا عام 2015، قبل وصول العسكريين الحاليين إلى الحكم، بعد تصريحات عن احتجاز زعماء محليين.

هذه الاستمرارية مهمة لفهم موقعه: نقد الحكام العسكريين امتداد لمحاسبة السلطة التي مارسها تحت حكم مدني. والدفاع عن سيادة البلاد، في تجربته، اقترن بالدفاع عن حق مواطنيها في مساءلة من يديرونها.

ويتجاوز التضييق استهداف الأفراد إلى المؤسسات التي تمنحهم جمهورا. ففي 15 أبريل 2026، أعلنت سلطات بوركينا فاسو حل 118 منظمة مجتمع مدني، استنادا إلى قانون الجمعيات الصادر في يوليو 2025. وبحسب بيان مشترك نشرته "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات حقوقية، اكتفت السلطات بإشارات عامة إلى عدم الامتثال للقانون، دون تقديم مبررات تفصيلية.

وحين تغلق جمعية أو تضيق فرص النقاش، يخسر الباحث مكانا لعرض عمله، ويفقد المواطن وسيطا يستطيع تحويل شكواه إلى قضية عامة. لذلك يظل قياس حضور المثقفين بعدد تصريحاتهم وحده قاصرا؛ فالمؤسسات التي تسمح للكلام بأن يصبح عملا تتعرض بدورها للتفكيك.

السيادة وحدود الاصطفاف

قدم المؤرخ والفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي قراءة لهذا المأزق في مقال نشرته "لوموند" في يناير 2025. وميز بين تيار يربط التحرر بالديمقراطية وتحسين حياة الناس، وتيار يقبل الانقلابات وتقييد الحريات ما دام الحكام يقدمون أنفسهم خصوما للهيمنة الخارجية. ورأى أن اقتران الخطاب السيادي بالحكم العسكري يفتح الطريق لإخضاع الحياة العامة لمنطق الحرب.

تساعد هذه القراءة في فهم كيف يستطيع خطاب التحرر أن يمنح السلطة حصانة من النقد. فعندما يصبح الموقف من فرنسا معيارا كافيا للوطنية، تتراجع الأسئلة المتعلقة بكفاءة الجيش وحماية المدنيين والإنفاق العام. ويصبح على المعترض أن يثبت ولاءه قبل مناقشة ما يقوله.

رفض التدخل الخارجي موقف له أسبابه وتاريخه. لكن تأييد تغيير الشركاء الدوليين لا يقدم، وحده، إجابة عن إدارة الدولة أو حماية السكان. وهنا تظهر مسؤولية النخبة المؤيدة للسلطة: إخضاع النتائج للفحص، والاحتفاظ بحق مراجعة التأييد حين تخالف الوقائع الوعود.

ولا تسمح الحالات الموثقة بوضع جميع المثقفين في خانة واحدة. فالصمت تحت التهديد يختلف عن تبرير الاعتقال، كما أن العمل من المنفى يختلف عن الانسحاب. والتمييز بين هذه المواقع ضروري حتى لا تتحول مساءلة النخب إلى اتهام جماعي يمحو من دفعوا ثمن الكلام.

إرث يصل إلى الناس

يحمل التاريخ الأفريقي أمثلة تجعل دور المثقف أكثر وضوحا من صورته خطيبا دائما في مواجهة الحاكم. فالكاتب النيجيري وولي سوينكا، الحائز جائزة نوبل للآداب، حاول فتح طريق للتسوية خلال أزمة انفصال إقليم بيافرا عام 1967. وبحسب شهادته المنشورة لدى "أكاديمية الإنجاز"، تواصل مع أطراف النزاع مستعينا بصلاته في الوسط الأدبي، قبل أن تعتقله الحكومة الاتحادية. استمر سجنه حتى 1969.

كان تدخله محاولة لاستخدام مكانته وعلاقاته لمنع اتساع الحرب. وهي وظيفة تكتسب معنى خاصا في الساحل، حيث تحتاج المجتمعات المتنازعة إلى أصوات تستطيع مخاطبة أكثر من طرف، دون أن تفقد استقلالها أو تحول الوساطة إلى تبرير للعنف.

وفي كينيا، ربط نغوغي واثيونغو نقد السلطة باللغة التي يتحدث بها الناس. ويستعيد معهد غرب أفريقيا للمجتمع المدني تجربته في مسرحية "سأتزوج حين أريد"، التي شارك في تأليفها وأداها سكان محليون بلغة الكيكويو عام 1977. تناول العمل استغلال الفقراء على يد نخبة ما بعد الاستقلال، وأعقبه اعتقال الكاتب دون محاكمة.

تضيء التجربة مشكلة الوصول إلى الجمهور: المعرفة التي تبقى محصورة في لغة النخبة ومؤسساتها تضيق قدرتها على التأثير. ويمنح المسرح والإذاعة والتعليم المدني واللغات المحلية الأفكار طريقا إلى الناس الذين تتحدث باسمهم.

وفي الساحل توجد شواهد على هذا الدور بالفعل. فقد جمع تشانغاري بين الدفاع عن الحقوق وتعليمها للعاملين في مؤسسة أمنية، فيما كتب سيسوكو أعمالا جديدة داخل السجن. أما الانتقال بهذه الجهود إلى تأثير أوسع، فيحتاج إلى جمعيات ومنابر وجامعات يستطيع أصحابها العمل دون أن تصبح حريتهم الشخصية ثمن كل اعتراض.

التاغات:

مشاركة التقرير

جميع الحقوق محفوظة لـ: عين الساحل .. المرصد الإعلامي لشؤون الساحل الإفريقي