بنين.. جبهتان مسلحتان على بوابة الساحل البحرية
عين الساحل – تقرير أمني استراتيجي
القاعدة تضغط من الشمال، ومجموعات نيجيرية تتمركز شرقاً.. تحذيرات من تشكل منطقة اضطراب جديدة قرب ممرات التجارة والطاقة
حذّر مركز حماية المدنيين في النزاعات "سيفيك"، في إحاطة نشرها في 13 أكتوبر، من تحول المناطق الحدودية بين بنين والنيجر ونيجيريا إلى بؤرة اضطراب ممتدة، مع نشاط جماعات مسلحة متعددة وتزايد المخاطر على السكان. ويأتي التحذير بينما تواجه بنين ضغطاً من التنظيمات القادمة من الساحل شمالاً، ومجموعات تتسلل من نيجيريا إلى مناطقها الشرقية.
وتستند الإحاطة إلى مشاورات أُجريت في يونيو، بمشاركة مسؤولين وعسكريين وباحثين وممثلين للمجتمعات الحدودية. وخلصت إلى أن ضعف المعلومات عن الجماعات وانتشارها يعوق الاستجابة، فيما أصبحت العبوات الناسفة والخطف ونهب الممتلكات والماشية من أبرز أنماط العنف على الحدود البنينية النيجيرية.
وتقع بنين على خليج غينيا، بين نيجيريا شرقاً وتوغو غرباً، وتتصل شمالاً بالنيجر وبوركينا فاسو. ويضعها هذا الموقع بين مناطق التمرد في الساحل والموانئ التي تعتمد عليها الدول الحبيسة في تجارتها، ويمنح اضطراباتها الحدودية أهمية تتجاوز مساحتها الصغيرة.
جبهتان مختلفتان
تتركز الجبهة الشمالية حول محميات "دبليو–آرلي–بندجاري"، الممتدة عبر بنين والنيجر وبوركينا فاسو. واستفادت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بالقاعدة من هذا المجال الحدودي لتوسيع تحركاتها وشبكات الإمداد، ثم تثبيت حضور داخل مناطق من شمال بنين. ويرصد المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية دور "كتيبة حنيفة" التابعة للجماعة في هذا التوسع.
وكانت المنطقة توفر منذ سنوات أسواقاً للوقود والماشية والسلع المهربة، قبل تصاعد الهجمات على القوات الأمنية. ومع توسع النشاط المسلح، تعرض زعماء محليون وتجار وسكان للخطف والاغتيال والتهديد، خصوصاً من يُشتبه في تعاونهم مع السلطات. وأتاحت هذه الممارسات للتنظيم فرض شروطه وبناء شبكات معلومات داخل المجتمعات.
أما الجبهة الشرقية فتتصل بغرب نيجيريا، خصوصاً المناطق المحيطة ببحيرة كينجي. ووجدت دراسة لمعهد "كلينغندال" أن مجموعة نيجيرية تُعرف باسم "محمودا" أقامت موطئ قدم في منطقتين بإقليم بورغو البنيني منذ يونيو 2025. ورجحت أن العمليات العسكرية النيجيرية خلال مارس وأبريل من العام نفسه أسهمت في دفعها عبر الحدود.
ورصد المعهد مؤشرات تعاون بين هذه المجموعة وعناصر مرتبطة بجماعة نصرة الإسلام والمسلمين. لكن انتماءاتها وبنيتها ما زالت موضع بحث، ولا تثبت المعلومات المتاحة وجود قيادة موحدة تجمع الجماعات العاملة في المنطقة. وتؤكد إحاطة "سيفيك" استمرار نقص البيانات الموثوقة عن هذه الشبكات.
ويشكّل تنظيم داعش في الساحل، الموجود في النيجر المجاورة، تهديداً إضافياً في البيئة الحدودية. وتضع شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة "FEWS NET" الجماعة المرتبطة بالقاعدة في صدارة التهديد القادم من الساحل إلى بنين، مع دور أقل لداعش. لذلك لا يصح إسناد جميع الهجمات إلى تنظيم واحد أو التعامل مع انتشارها باعتباره حملة مشتركة.
التجارة والطاقة خلف الجبهة
تمر عبر بنين مصالح اقتصادية ترتبط مباشرة باستقرار الساحل. فممر كوتونو–نيامي يصل ميناء كوتونو بالنيجر، ويُعد محوراً استراتيجياً للنقل والتجارة، وفق مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. unctad.org
كذلك يعبر خط تصدير النفط النيجري إقليمي أليبوري وبورغو، اللذين تشملهما التحذيرات الأمنية. ويمتد القسم البنيني من الخط نحو 675 كيلومتراً، وصولاً إلى محطة التصدير في سيمي على خليج غينيا، وفق بيانات الحكومة البنينية. gouv.bj
وتقدّر "عين الساحل" أن رسوخ الجماعات في هذا المجال قد يزيد تعرض حركة التجارة والصيانة والإمدادات للابتزاز والتعطيل. فحماية المنشآت تتطلب تأمين محيطها والطرق التي تخدمها، في وقت تحتاج فيه السلطات إلى توزيع قواتها بين الحدود والبلدات والمرافق الاقتصادية.
ولا تثبت المعطيات الواردة في هذه التقارير وصول الجماعات إلى الموانئ أو سيطرتها على خط النفط. الخطر الذي يستدعي المراقبة هو اتساع وجودها داخل الأقاليم التي تربط المنشآت الساحلية بعمق البلاد والنيجر.
مؤشرات متفاوتة
تظهر التقارير الإنسانية استمرار انتقال العنف إلى مناطق جديدة. فقد قالت المفوضية الأوروبية للمساعدات الإنسانية إن الاضطرابات امتدت من الحدود الشمالية إلى بورغو، وسُجل قرابة 160 حادثاً أمنياً في أليبوري وأتاكورا وبورغو خلال مايو ويونيو 2026. ودفع النزوح أسراً إلى بلدات مجاورة، وزاد الضغط على خدمات صحية محدودة أصلاً. إغاثة الإنسانية الأوروبية
وفي المقابل، سجل تحديث للمركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية تراجعاً في الوفيات المرتبطة بعنف التنظيمات في بنين خلال فترة رصده المنتهية منتصف 2026، مرجحاً ارتباط ذلك بجهود الاستقرار. وتفرض هذه النتيجة الحذر من وصف الوضع بأنه انهيار أمني متواصل؛ فانتشار الجماعات وحصيلة ضحاياها مؤشران يحتاج كل منهما إلى متابعة مستقلة. Africa Center
واعتمدت السلطات عملية "ميرادور" لتعزيز وجودها العسكري، إلى جانب مبادرات تنموية وتواصل مع المجتمعات المحلية. كما يشارك صيادون تقليديون في جهود الأمن، وهو تطور حذر "سيفيك" من مخاطره إذا غابت الضوابط والحماية من الانتقام بحقهم وأسرهم.
إنذار عين الساحل
ترى "عين الساحل" أن بنين تواجه خطر تشكل مجال حدودي تستطيع جماعات مختلفة البقاء فيه، والحصول على الموارد، وإعادة تنظيم صفوفها بعد الحملات العسكرية. وقد أظهرت تجربة انتقال "محمودا" من نيجيريا كيف يمكن للضغط الأمني داخل دولة أن ينقل جزءاً من المشكلة إلى جارتها.
وتقدّر أن استمرار الاستجابة بصورة منفصلة على جانبي الحدود سيتيح تكرار هذا الانتقال. كما أن انشغال القوات بحماية المواقع الكبرى قد يترك القرى وطرق الأسواق عرضة للتهديد، ويضعف قدرة السكان على التعاون مع السلطات.
وتتمثل المؤشرات التي تستحق الرصد في استمرار الجماعات داخل التجمعات الريفية، وتكرار الجباية والخطف، ونزوح المسؤولين المحليين، وتعطل الأسواق والخدمات. فهذه المظاهر تكشف قدرة المسلحين على البقاء والتأثير في حياة السكان، حتى خلال فترات انخفاض الهجمات الكبيرة.
وتحذر "عين الساحل" من أن ترسخ هذا الحضور سيضيف جبهة طويلة الأمد إلى أزمات غرب أفريقيا، داخل بلد تعتمد عليه النيجر في تجارتها وتصدير نفطها. ويظل احتواء الخطر مرتبطاً بتنسيق فعلي بين الجيران، وبحماية المجتمعات التي تتحمل كلفة المواجهة اليومية.
