الإسلاميون والعسكر.. تحالفات تنقلب وصراع على السلطة في الساحل والسودان (3-9)
"عين الساحل" – خاص
من انقلاب السودان عام 1989 إلى الصدام بين السلطة العسكرية وأنصار محمود ديكو في مالي، تكشف علاقة الإسلام السياسي بالجيوش عن مسارات تتجاوز المنافسة الانتخابية إلى النفوذ داخل الدولة والتفاوض على شروط الحكم. وقد تبدأ العلاقة بوعود الإصلاح ومحاربة الفساد وحماية المجتمع، ثم تنقلب هذه الوعود إلى أدوات لإقصاء الخصوم وتحصين السلطة من المحاسبة.
وتتوزع هذه العلاقات بين التحالف وتقاسم النفوذ، والاستيعاب والضبط، والتنافس والإقصاء. وهي مسارات قد تتعاقب داخل البلد الواحد؛ فما يجمع تنظيماً إسلامياً وقيادة عسكرية في مواجهة خصم مشترك، قد يصبح لاحقاً موضع نزاع على القرار والأجهزة والموارد.
لكن المقارنة، وفق الأكاديمي والباحث في قضايا الإسلام السياسي عبد المنعم همت، تبدأ بالتمييز بين المرجعيات الدينية التقليدية، ذات النفوذ الاجتماعي والتاريخي، والحركات التي تمتلك مشروعاً سياسياً وتنظيمياً للوصول إلى السلطة أو التأثير في مؤسساتها. ويؤكد في حديثه لـ"عين الساحل" أن الخلط بينهما يقود إلى قراءة غير دقيقة للصراعات والتحالفات في المنطقة.
تاريخ ديني ومسارات سياسية مختلفة
ويرى الباحث سيد بن بيلا الفردي، في حديثه لـ"عين الساحل"، أن فهم العلاقة الراهنة يقتضي العودة إلى الموقع التاريخي للإسلام في مجتمعات المنطقة، وإلى اختلاف تجارب السلطة والبنى الاجتماعية والإرث الاستعماري. ويضع السودان في موقع متميز عن بقية الحالات، مع وجود أوجه تشابه بين مالي والنيجر ونيجيريا وموريتانيا والسنغال، لا تلغي خصوصية كل دولة.
ويشير إلى أثر التيارات السلفية والحركات المتأثرة بالإسلام السياسي في المنطقة العربية في نشوء فاعلين جدد؛ تفاهم بعضهم مع الأنظمة والجيوش وبنى علاقات تبادلية معها، بينما دخل آخرون في صدام. وتساعد هذه الخلفية على تفسير تنوع المرجعيات، من دون اعتبار التاريخ الإسلامي للمجتمعات امتداداً تنظيمياً مباشراً لحركات الإسلام السياسي المعاصرة.
ومن زاوية موازين القوة، ينبه همت إلى أن الانقلابات تفتح فرصاً أمام التنظيمات الأيديولوجية لإعادة ترتيب مواقعها، وقد تنقل العلاقة مع العسكريين من التفاهم والاحتواء إلى الاختراق والصراع، بحسب مصالح الطرفين وقدرة كل منهما على ضبط الآخر.
السودان.. التحالف الذي انقسم وبقيت شبكاته
تمثل التجربة السودانية أوضح حالات التداخل بين التنظيم الإسلامي والمؤسسة العسكرية. ففي 30 يونيو 1989، قاد عمر البشير انقلاباً أطاح حكومة الصادق المهدي المنتخبة، بالتعاون مع الجبهة الإسلامية القومية بزعامة حسن الترابي. وأتاح الحكم الجديد للإسلاميين إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وتوسيع حضورهم في الأجهزة الأمنية والإدارة والاقتصاد، بالتوازي مع حظر الأحزاب وتقييد الحريات.
لكن الشراكة لم تبقَ متماسكة. ففي عام 1999، تفجر الصراع بين البشير والترابي، وحل الرئيس البرلمان وأعلن الطوارئ، قبل أن يقود الترابي انشقاقاً عن المؤتمر الوطني ويؤسس المؤتمر الشعبي عام 2000. وبيّن الانقسام أن التوافق على المشروع الإسلامي لم يمنع الصراع على صاحب الكلمة الأخيرة داخل النظام، ولا استخدام أجهزة الحكم لإقصاء حلفاء الأمس.
ويقول همت إن الحركة الإسلامية استخدمت المؤسسة العسكرية "كبوابة للوصول إلى السلطة"، ثم بنت شبكات تنظيمية وأمنية واقتصادية ضمنت استمرار نفوذها حتى بعد سقوط البشير في أبريل 2019. ويرى أن خطورة التجربة تتجاوز الوصول إلى الحكم عبر انقلاب، إلى إعادة تشكيل الدولة من الداخل، بحيث لا يعود سقوط رأس النظام كافياً لإنهاء سلطة التنظيم وشبكاته.
وفي تفسيره لخلفيات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، يذهب همت إلى أنها نتاج سيطرة "دولة الإسلام السياسي العميقة" على مفاصل الدولة واستمرار نفوذها بعد سقوط النظام. وهي قراءة يربط فيها الباحث بين بقاء الشبكات التنظيمية والأمنية وبين قدرة قوى النظام السابق على التأثير في الصراع.
وبالتوازي مع هذا التفسير، يبرز حضور جماعات إسلامية مسلحة تقاتل إلى جانب الجيش، بينها "البراء بن مالك". ويوثق تقرير لوكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، صدر في أكتوبر 2026، دورها ومقاومتها محاولات إخضاعها الكامل لهياكل قيادة الجيش. ويعيد ذلك السؤال عن تحول الإسناد العسكري إلى نفوذ سياسي يحتفظ بأدواته الخاصة بعد الحرب.
مالي.. حدود قبول النفوذ المستقل
في مالي، يربط الفردي العلاقة بين السلطة والمرجعيات الدينية باختلاف البنى الاجتماعية والدينية بين مناطق البلاد. ويرى أن التعامل مع هذه المرجعيات بوصفها قنوات للتأثير المجتمعي وإدارة التناقضات يمثل نمطاً ممتداً منذ عهد موسى تراوري، الذي انتهى عام 1991.
وتكشف تجربة الإمام محمود ديكو حدود هذه العلاقة. فقد اكتسب ثقلاً سياسياً من التعبئة الشعبية التي سبقت إسقاط الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا في أغسطس 2020، لكن امتلاك قاعدة اجتماعية مؤثرة لم يضمن له موقعاً مستقراً مع العسكريين الذين تولوا الحكم. واتسعت الخلافات لاحقاً بين السلطة وأنصاره، لتظهر المنافسة على شرعية التحدث باسم المجتمع.
وفي مارس 2024، حلت السلطات تنسيقية الحركات والجمعيات وأنصار الإمام محمود ديكو "CMAS"، واتهمتها بتهديد النظام العام والتدخل في شؤون تتعلق بسيادة الدولة، بحسب البيان الحكومي. وبذلك تجاوز الخلاف تبادل المواقف إلى تفكيك الإطار الذي ينظم حضور أنصاره.
وتوضح الحالة كيف تتحول القدرة على التعبئة خارج الأحزاب إلى مصدر منافسة للسلطة، من دون أن تجعل كل مرجعية دينية تنظيماً إسلامياً حزبياً. ويلخص الفردي طبيعة العلاقة في المنطقة بأنها تقوم على الاستفادة من قدرة هذه المجموعات على التغلغل في المجتمع أحياناً، والصدام المباشر معها أحياناً أخرى.
موريتانيا.. من التضييق إلى التعاون المشروط
يضع الفردي الحالة الموريتانية ضمن تاريخ طويل من حضور المرجعيات الإسلامية في المجتمع وعلاقتها بالسلطة. أما في التجربة السياسية المعاصرة، فقد تعاقبت سياسات الاستيعاب والرقابة والقمع؛ وتوثق دراسات لكارنيغي حملة اعتقالات وحظر جمعيات إسلامية عام 1994، ثم تغير البيئة السياسية بعد إطاحة معاوية ولد الطايع عام 2005.
وجاء الترخيص لحزب "تواصل" عام 2007 خلال رئاسة سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله المدنية، قبل مشاركته في حكومة قصيرة العمر عام 2008 ومعارضته الانقلاب العسكري الذي وقع في أغسطس من العام نفسه. وتبين هذه المحطات أن التعامل مع الجيش لم يكن خياراً ثابتاً، بل ارتبط بموقفه من المسار السياسي المتاح للحزب.
ولم تمنع الخصومة السياسية تعاوناً في ملفات محددة؛ فقد شارك علماء، بينهم محمد الحسن ولد الددو، في حوار مع سجناء متهمين بالتطرف عام 2010. وتكشف العلاقة قدرة السلطة على الاستعانة بالمصداقية الدينية لشخصيات تختلف معها سياسياً، مقابل مساحة تأثير لا تعني منحها سلطة مفتوحة. كما تضع الفاعلين الإسلاميين أمام اختبار استقلالهم حين يشاركون في بعض سياسات النظام الذي ينافسونه.
النيجر.. التفاوض على هوية الدولة
في النيجر، يلفت الفردي إلى أثر التركيبة الاجتماعية، بما تضم من الهوسا والفلان والطوارق والعرب، في تشكيل علاقات السلطة بالفاعلين الدينيين. ويرى أن السلطات العسكرية، كما في مالي، تتعامل مع المرجعيات الإسلامية على أساس وزنها المجتمعي وقدرتها على إدارة التوازنات.
وأتاح النظام المنبثق عن انقلاب يوليو 2023 مجالاً جديداً للتفاوض على موقع الدين في الدولة. فقد نص ميثاق إعادة التأسيس الصادر في مارس 2025 على الاعتراف بالإسلام باعتباره "دين الأغلبية"، مع ضمان ممارسة الشعائر والتعايش مع الأديان الأخرى، من دون إعلان الإسلام ديناً رسمياً للدولة.
وتقرأ دراسة للباحث إبراهيم سيني مامودو، منشورة في يونيو 2026، هذا التحول باعتباره تفاوضاً من الفاعلين الإسلاميين على قواعد حضور الدين في مشروع إعادة التأسيس. وتكمن دلالته في إمكان تحقيق مكاسب تتصل بتعريف هوية الدولة خارج المنافسة الانتخابية، فيما يتوقف أثرها على التشريع والمؤسسات وعلى الضمانات التي تحمي حقوق المختلفين.
بوركينا فاسو والسنغال.. حدود المقارنة
ويشدد الفردي على اختلاف المسار التاريخي لبوركينا فاسو عن جيرانها، رابطاً ذلك بتكوين السلطة التقليدية ثم النخب التي تشكلت في ظل التأثير الفرنسي. وفي المشهد الراهن، يشمل تواصل السلطة بقيادة إبراهيم تراوري مع المرجعيات الدينية والاجتماعية أطرافاً متعددة، ولا يقتصر على المسلمين.
ففي أكتوبر 2026، اجتمع مسؤولون مسلمون وكاثوليك وبروتستانت وزعماء تقليديون للصلاة من أجل السلام، بحضور مسؤولين أمنيين وعسكريين. وتكشف الواقعة الاستعانة بقنوات دينية واجتماعية للتعبئة، لكنها لا تثبت بذاتها شراكة مع تنظيم إسلامي سياسي.
أما السنغال، فتقدم حالة مقارنة داخل نظام مدني؛ إذ يمارس شيوخ الطرق الصوفية نفوذهم عبر العلاقات السياسية والوساطة والشبكات الاجتماعية. وهنا تبرز أهمية التمييز الذي يشدد عليه همت: فالتأثير الديني في السياسة لا يساوي تلقائياً مشروعاً تنظيمياً للسيطرة على الدولة، كما أن العلاقة بين السلطة والطرق الصوفية لا تطابق التحالف العسكري الذي عرفه السودان.
حين تتحول الشراكة إلى حماية للنفوذ
وفي قراءة "عين الساحل"، لم تعد بعض الحركات الإسلامية تحصر خياراتها في الوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، بل تتعامل مع الجيوش والأنظمة الانتقالية باعتبارها أطرافاً رئيسية في إعادة تشكيل المشهد السياسي. وتتراوح أدواتها بين الضغط والتفاوض وبناء التفاهمات، وصولاً، في الحالة السودانية، إلى المشاركة المسلحة التي قد تمنح أصحابها وزناً يتجاوز حجمهم الانتخابي.
ويطرح همت سؤالاً عن قدرة الأنظمة العسكرية في الساحل على منع تحول النفوذ الديني والاجتماعي إلى نفوذ تنظيمي داخل مؤسسات الدولة، أم أن أزمات الشرعية والأمن ستدفعها إلى تحالفات تتيح إعادة إنتاج تجارب سابقة. وفي رأيه، تفيد التجربة السودانية في فهم كيفية تحول التنظيمات الأيديولوجية إلى شبكات نفوذ عميقة قد تسبب الانهيار المجتمعي والمؤسسي، مع بقاء خصوصية كل بلد.
ويظهر الخطر حين تتحول الوعود بالإصلاح إلى مبرر لاحتكار التمثيل، وتصبح حماية المجتمع ذريعة لحماية التنظيم، أو تُستخدم المرجعية الدينية لتحصين قرارات سياسية من النقد. وفي المقابل، قد يمنح احتياج العسكريين إلى التأييد الاجتماعي بعض الحركات نفوذاً مؤسسياً يصعب التراجع عنه بعد انتهاء التحالف.
لذلك، يُقاس اتجاه هذه العلاقة بما تتركه داخل الدولة: هل تبقى المؤسسات خاضعة للقانون والمساءلة، أم تتوزع الولاءات بين القيادة العسكرية والتنظيم؟ وعندما يقترن النفوذ الديني بقدرة على الإكراه خارج الرقابة، يمكن أن يتحول وعد الإصلاح إلى بنية تعطل التعددية وتطيل عمر الصراع على السلطة.
